تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
فأبو محمد السيرافي ( ت 385 ) جعل استعارة المخاض للمنية ، في قول عمرو بن حسان « 1 » :
تمخّضت المنون له بيوم * أنى ، ولكلّ حاملة تمام
ضربا من التشبيه حين قال : وجعل المنون حاملا على التشبيه ، وجعل اليوم الذي كانت فيه منيته ولدا للمنية . وكل حامل تنتهي إلى وقت تضع فيه حملها . فكذلك المنية منتظرة كانتظار وضع الحامل . وكثيرا ما كان الشّرّاح يلجؤون إلى الضبابية في التعبير عن الصورة الفنية ، فيستخدمون مصطلحا عامّا يصلح لعديد من الدلالات الجمالية . وهو المثل . وعلى هذا ترى الصولي أبا بكر ( ت 335 ) يفسّر التشبيه الخالد في بيت أبي تمام « 2 » :
إنّ الحمامين ، من بيض ومن سمر ، * دلوا الحياتين ، من ماء ومن عشب
بأنه مثل ، كما يلي : « يقول : لا تنال لذّة الأكل والشرب إلا بالرماح ، والسيوف . وضرب لهذا مثلا ، فقال : هما دلوا الحياتين . يعني أن الحمامين بالبيض والسمر دلوا الحياتين : الحياة بالماء ، والحياة بالنبات . إذ كان لا بد منهما أو مما يحيا بهما . فكأنهما يستقيان هاتين كما يستقي الدلوان الماء » . وقد استمرت دائرة التدقيق والتفصيل والتوليد تتسع مع الأعوام ، حتى خلف على الشعر من أخلص للمعاني وتنكب سبل التكثر والاستطراد والتطويل ، كالأعلم الشنتمري ( ت 476 ) . فقد تسقط هذا العالم أشهر دواوين الجاهلية ، وأجود مقطعات
هامش
( 1 ) تهذيب إصلاح المنطق ص 24 - 25 . وأنى : حان . ( 2 ) ديوانه 1 / 61 .