وما فيه من تجسيم لانتشار آثام الحرب ، وشمولها للقريب والبعيد والمحارب والمسالم ، فإذا هي كالوباء الساري في البيئات المعافاة . ولذا تراه يقول :
شرّ الحرب يعدي إعداء الجرب ، فترى الكاره لها يلتحق بها ، وإن كان غير حازم لها ، وتلقى البعيد منها يصطلي بحرّها ، وإن لم يذكها ولم يشيع موقدها . وفي هذا التشبيه خروج المشبه من الكمون إلى الظهور ، ومن الخفاء إلى البروز ، حتى يتجلى لمتأمله والمفكر فيه على بعده في التصور ، تجلي القريب في العرف والاعتياد . وهذا هو غاية المراد من التشبيهات .
إنه يفسر المعنى ، ويحدد الدلالات الجزئية ، ويحلل الصور الجمالية ، ويذكر مقاصد العمل الفني . غير أنه كان أحيانا يتسمح في التعبير ، ولا يميز بدقة بين المصطلحات البلاغية ، فيتداخل بعضها في بعض . ومن هذا أن مزرد بن ضرار يذكر امرأة فتنته بدلها وتغنجها « 1 » :
وعيني مهاة ، في صرار ، مرادها * رياض ، سرت فيها الغيوث الهواطل
فيستعير لها من المهاة عينيها ليبالغ في آثار نظراتها . ولكن المرزوقي يعبر عن ذلك بما يلي : « كأنه قال : وتصبي بعيني مهاة . والمهاة : البقرة الوحشية . وجعلها في صوار لتكون آمنة لم تذعر ولم ترع ، فيكون التشبيه بها متحققا » .
فهو ، كما ترى ، يعبر عن الاستعارة بالتشبيه ، في مجال التحليل البلاغي . وهذا مع أنه صحيح ، إذا رجعنا إلى تطور التصوير الفني من التشبيه إلى الاستعارة ، لا يقبل في ميدان التعبير الاصطلاحي . فقد أصبح لكل لون من ألوان البيان مصطلحات خاصة متميزة ، وعلى الناقد والأديب أن يضع كلّا منها في موضعه المناسب .
وكذلك كان شأن بعض الشارحين للأشعار ، ممن عاصر المرزوقي أو تقدم عليه .
هامش
( 1 ) شرح المفضّليات 1 / 144 من نسخة مخطوطة . والصوار : القطيع من البقر . والمراد : موضع الرعي .