فيفسر الطبيخي الشطر الثاني قائلا : شبهها في الشجاعة برجل حروري ، يغلي دمه ليفور . وهذا مثل . يقال للرجل إذا لجّ في القتال : دمه يغلي . فوصف الخمر ، في شدتها وقوتها على الأنفس ، بشدة « 1 » الحروري وصبره في الحرب .
ثم صدر ديوان الحماسة لأبي تمام ، فكان ميدانا لفرسان الأدب واللغة والمعاني ، يتبارون في تفسير عباراته ، وتحليل صوره ، وتبيان إشاراته . وقد اهتمّ بالزوايا الفنية عدد من العلماء ، أطالوا التعبير والتفصيل . وهذا أبو عبد اللّه النمري ( ت 388 ) يتوقف إزاء قول خطام المجاشعي « 2 » :
كأنّ خصييه ، من التّدلدل ، * ظرف عجوز ، فيه ثنتا حنظل
ليفسره كما يلي :
شبه خصيتيه ، في استرخاء صفنهما « 3 » وتجلجل بيضتيهما حين شاخ واسترخت جلدة استه ، بظرف عجوز فيه حنظلتان . وخصّ العجوز لأنها لا تستعمل الطيب ولا تتزين للرجال ، فيكون في ظرفها ما تتزين به . ولكنها تدّخر الحنظل ونحوه من الأدوية . . .
ووجهه أنه يصف شيخا قد كبر وأسن . ولذلك قال « ظرف عجوز » ، لأن ظرف العجوز خلق متقبض فيه تشنج لقدمه . فلذلك شبه جلد الخصية به ، للغضون التي فيه .
وقد وقف نفسه أبو محمد الأعرابي ( ت 428 ) ، لتسقط عثرات النمري هذا في شرح الحماسة ، فكان بذلك حلبة فنية ، لإثارة المنافسة وتوليد التوجيهات لصور الجمال .
هامش
( 1 ) في المطبوعة : شدة .
( 2 ) الخزانة 3 / 314 - 315 . والحنظل : ثمر نبات مرّ .
( 3 ) الصفن : وعاء الخصية .