أما المبرد ( ت 285 ) فقد بدا أكثر احتفالا بالتحليل الفني لصور البيان . ذلك لأنه كان قد صنف رسالة عنوانها « البلاغة » ، للفصل بين القيم الجمالية للشعر والنثر ، فوضع أصولا ومعايير وتطبيقات عملية ، ثم خصّ التشبيه في كتابه « الكامل » « 1 » بدراسة مفصلة مطولة ، ترصد أشكاله وأنواعه وشيعوعته في النصوص العربية ، وتتابع الكشف عن ملامح الجمال فيه .
فالشطر الثاني من بيت عنترة « 2 » :
غادرن نضلة ، في معرك ، * يجرّ الأسنّة ، كالمحتطب
فيه ما هو من أحسن التشبيه . يقول : طعن وغودرت الرماح فيه ، فظل يجرّها كأنه حامل حطب .
وبيت الشماخ في وصف ناقته « 3 » :
كأنّ ذراعيها ذراعا مدلّة * بعيد السّباب ، حاولت أن تعذّرا
يتضمن صورة مركبة ذات أبعاد متعددة ، تناثرت فيه وفي أبيات تليه . وقد أوضح ذلك المبرد بقوله : شبه يديها بيدي مدلّة بجمال ومنصب ، قد سابّت وأقبلت تعتذر وتشير بيديها . فوصف جمالها الذي به تدلّ ، ومنصبها المتصل بمن ذكرته .
وأما أبو العباس ثعلب ( ت 291 ) الذي صنف « قواعد الشعر » ، وشرح كثيرا من دواوين الجاهليين والإسلاميين والأمويين والعباسيين ، فقد كان يتتبع صور البيان في شروحه ، والتشبيه واحد منها ، بالإشارة مرة ، وبالتفسير آونة ، وبالتحليل المطول أحيانا .
هامش
( 1 ) في 3 / 32 - 154 والموجز في تاريخ البلاغة ص 62 - 64 .
( 2 ) الكامل 3 / 46 . ونضلة : اسم رجل .
( 3 ) المصدر نفسه 3 / 103 .