أكثر طروقا . وقلت « يقطرن من نجدة دما » فدللت على قلة القتل . ولو قلت « يجرين » لكان أكثر لانصباب الدم .
وهذا تحليل دقيق للكنايات التي يتضمنها بيت حسان ، وما فيها من لمحات فنية تقتضي النظر والتفصيل . ومن قبل لمسنا تحسس الجاهليين جانبا من التشبيه والاستعارة . فإذا تجاوزنا ما قبل الإسلام ، في هذا المجال ، اتسعت رقعة التحليل البلاغي عاما بعد آخر ، حتى أصبحت ظاهرة متألقة ، تستوقفنا شذراتها في المجالس والمصنّفات . فقد لبثت الصور الفنية البعيدة الدلالة تتداولها الأفهام في تساؤل ، حتى يتلقاها الفنان الخبير والعالم المدقق فيجليها .
ومن ذلك أن المفضّل الضّبّي ( ت 171 ) يورد بيت قيس بن زهير « 1 » :
ألم يعلم بنو الميقاب أنّي * كريم ، غير معتلث الزّناد ؟
ثم يعلّق عليه بتفسير الكناية في آخره ، فيقول : « أي : ليس بفاسد الأصل .
ومعتلث : لا خير فيه » .
وها هو ذا سيبويه ( ت 180 ) يستشهد بقول مهلهل ، مخاطبا قاتلي أخيه « 2 » :
يالبكر ، أنشروا لي كليبا * يالبكر ، أين أين الفرار ؟
ويتبعه بما يلي : فاستغاث بهم لأن ينشروا له كليبا . وهذا منه وعيد وتهديد . وأما قوله « يالبكر أين أين الفرار » فإنما استغاث بهم لهم . أي : لم تفرّون ؟ استطالة عليهم ووعيدا .
هامش
( 1 ) أمثال العرب ص 38 - 39 . والميقاب : المرأة تلد الحمقى .
( 2 ) الكتاب 1 : 318 - 319 . وأنشر : أحيا .