تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وكان بيت امرئ القيس « 1 » :
وأفلتهنّ علباء ، جريضا * ولو أدركنه صفر الوطاب
من قبل يتردد السؤال عن معنى الكناية في آخره . حتى إذا وصل الأمر إلى عهد يونس بن حبيب قال : سألنا رؤبة ( ت 145 ) عنه فقال : لو أدركوه قتلوه وساقوا إبله ، فصفرت وطابه من اللبن . وقال غيره : صفر الوطاب أي : أنه كان يقتل ، فيكون جسمه صفرا من دمه ، كما يكون الوطاب صفرا من اللبن . وفي رواية يونس ( ت 182 ) هذه عن رؤبة ما يشعر بقدم معالجة الصور الفنية بالدرس والتحليل ، وتتبع مقاصدها البعيدة والقريبة . ولا غرو أن يكون مثل هذا واردا قبل رؤبة في المجالس العامة ، التي تعقد في مثل المربد والمساجد وقصور الخلفاء والولاة والأمراء . فقد أصبح الشعر ميدانا لفرسان العربية ، يتبارون في تفسيره وبيان مراميه الغائمة ، فإذا نحن أمام مصنّفات تجمع إلى رواية الشعر إشارات ، تفسّر المعاني المستغلقة ، وتوضح بعض العناصر الجمالية فيها . وقد اتسعت رقعة هذه الظاهرة لدى المفسرين ، حتى تسنّى لنا أن نوزعها على مستويات علوم البلاغة :

عناصر البيان في تفسير الشعر :

رأينا ، فيما مضى ، أن صور البيان هي أكثر ما تناوله التحليل ، من ميادين البلاغة . ولعل السبب أن هذه الصور أقرب عناصر الجمال إلى السامع والقارئ ، تفرض على العلماء والرّواة أن يتناولوها بالشرح والتوضيح . فالتشبيه الذي هو أبسطها كان له في مصادر التفسير نصيب وافر ، يتبدّى عند كثير من الشّراح .
هامش
( 1 ) طبقات فحول الشعراء ص 53 والأغاني 9 / 91 . وعلباء اسم رجل . والجريض : المشرف على الهلاك . والوطاب : جمع وطب . وهو سقاء من جلد .