هذا نموذج من تلبّث الشعراء إزاء الصورة للتفسير والتحليل . وقريب منه ما روي عن الأعشى ، في بيان استمتاعه بالخمرة ، وتلذّذه بنشوتها . قال راويته عبيد :
قلت للأعشى : ماذا أردت بقولك « 1 » :
ومدامة ، ممّا تعتّق بابل ، * كدم الذّبيح ، سلبتها جريالها
فقال : « شربتها حمراء وبلتها بيضاء ، فسلبتها لونها » .
وكلنا يرى أن الجملة الأخيرة من البيت قد تحتمل توجيهات مختلفة . ولذلك تساءل الناس ، ومنهم راوية الأعشى ، عن مراد الشاعر بهذه الاستعارة الملونة ، فكان جواب يحدد الدلالة ويوضح الأبعاد الفنية ، التي تنعكس على الجملة نفسها وعلى ما قبلها من تشبيه بديع .
وربما كان مجال التحليل في مجالس عامة ، يحضرها الأدباء والجماهير ، كالذي كان من النابغة حيال بيت حسان « 2 » :
لنا الجفنات الغرّ ، يلمعن بالضّحى * وأسيافنا يقطرن ، من نجدة ، دما
فالشاعر ، كما ترى ، يفتخر بأمجاد قومه في الجود والبطولة ، ويعبر عن ذلك ببذل الطعام للضيوف ، وسفك الدماء في المعارك . غير أن النابغة ، وهو إذ ذاك حكم في سوق عكاظ ، يرى في البيت إشارات تكني عن قلة في الجود والبطولة ، ويتحسس مواطن الضعف في ذلك . فإذا هو يخاطب حسان بقوله : أقللت عدد جفانك وسيوفك . ولو قلت « يبرقن بالدجى » لكان أبلغ في المديح ، لأن الضيف بالليل
هامش
( 1 ) الشعر والشعراء ص 215 - 216 والمعرب ص 151 .
والجريال : اللون .
( 2 ) الأغاني 9 / 340 والموشح ص 82 . والجفنة : القصعة العظيمة . والغر : جمع غراء . وهي البيضاء .
والنجدة : الشدة في القتال . وانظر البلاغة تطور وتاريخ ص 11 .