ولما تصفح الخطيب التبريزي ( ت 502 ) هذا النتاج الضخم ، في اتجاهاته المختلفة ، لمس مظاهر التوزع والتكثر والاستطراد والتداخل ، فأخذ على نفسه أن يضع منهجا متكاملا ، يختصر السبل ، ويجمع بينها في تعاون وتكافؤ ، ليفسر الغريب والإعراب ، والإشارات التايخية ، والمعاني البعيدة . وبذلك أصبح لتفسير الشعر نهج عملي واضح القسمات ، يستوفي الحاجات المختلفة جميعا ، ويسير في خطوات متزنة قرونا بعد قرون .
بوادر بلاغية في تفسير الشعر :
شأن التحليل البلاغي في التفسير ، لدى الجاهليين ، هو شأن الغريب من المفردات والتراكيب ، يعرض له العربي إذا أشكل عليه المقصد وتعذر وضوحه بالإنشاد . ومن ثم لم يحاول الجاهلي لمس عبارات كثيرة من عناصر الجمال في تاريخه ، وإنما وقف عند صور معدودة ، روت بعضها المصادر .
ولعل أقدم ما وصل إلينا من ذلك هو شرح امرئ القيس للصورة الفنية في قوله « 1 » :
نطعنهم سلكى ، ومخلوجة * كرّك لأمين ، على نابل
فقد استغلقت عناصر هذا التشبيه على من عاصر الشاعر ، حتى سألته عمّة جدّ العجّاج :
ما معنى قولك « كرك لأمين على نابل » ؟ فقال : مررت بنابل وصاحبه يناوله الريش لؤاما وظهارا « 2 » ، فما رأيت أسرع منه ولا أحسن ، فشبهت به .
هامش
( 1 ) التنبيهات على أغاليط الرواة ص 88 - 89 . والسّلكى : الطعنة المستوية . والمخلوجة : الطعنة ذات اليمين أو الشمال . واللأم : السهم .
( 2 ) الريش اللؤام : الملتئم على السهم ، يلي بطن القذة منه ظهر الأخرى . وهو أجود ما يكون . والظهار :
الريش القصير .