وكان يواكب ذلك كله نظرات ثاقبة ناقدة تحلّل وتفسّر ، ونظريات وأحكام تصنّف وتقعّد ، ودراسات تتوضع في رسائل أو كتب ومصنفات ، لدى العرب خاصة والمسلمين عامة ، والمستشرقين أو المستعربين الذين استقطبهم البيان العربي .
فلا غرو بعد أن يكون التراث البلاغي ، في ألوانه النظرية والتحليلية والتطبيقية والنقدية ، واسع الرقعة زمانا ومكانا ، كثير المادة مصادر ومراجع ، متعدد المنافذ والمناحي والطوابع ، يقتضي الدراسات المتخصصة . وذلك ليتيسر لكل منها أن تتناول مستوى معينا ، أو بقعة أو منحى أو طابعا ، بالبحث والمتابعة والاستقصاء .
ولما كانت مصادر البلاغة والأدب قد أحاطت بكثير من العناصر المذكورة ، وعرض لها الدارسون في مجالات مختلفة ، وكان التحليل البلاغي الصرف مقصورا على كتب التفسير ، وهي مصنفات غايتها البيان والإيضاح والشرح ، ولم تنل من الباحثين عناية ومتابعة ظاهرتين ، فقد رأيت أن أتوجه إلى تفسير الشعر خاصة ، وأقتطع منه مرحلة زمنية محددة ، تنتهي بعهد عبد القاهر وتلامذته . وهي فيما تبدّى لي غفيرة المادة ، متعددة المستويات والألوان والاتجاهات ، تحتاج للإحاطة بها إلى أكثر من دراسة جامعية علمية باحثة قاصدة .
تفسير الشعر حتى القرن الخامس :
كان العربي في الجاهلية يتلقى الشعر رواية ومشافهة في غالب الأحيان ، ويدرك مراميه وأبعاده وظلاله بالحسّ المرهف والقريحة الصافية والبديهة الفطرية ، لأن اللغة مشتركة ، والأساليب شائعة متداولة ، والتقاليد الفنية مزدهرة في القلوب والألسنة والآذان ، والفصاحة مستشرية وارفة ، والبلاغة غذاء شعبي وافر ، يتناوله العامة والخاصة ، مع اللّبأ واللبن والهواء والماء ، في كل زمان ومكان .