النموذج والمعيار والحكم ، فما وافق أساليب لغته فصح وعلا ، وما خرج عنها اختلفت درجة صحته .
ولهذا كله لدينا في لهجات العرب مستويات ثلاثة : الصحيح والفصيح والأفصح .
وما دون ذلك فهو ضعيف ، أو رديء ، أو عامي سقيم ، قد يدوّن ويدرس ، ولكنه لا يجوز أن يساوى باللسان العربي المبين . وهذا ما كان يقوم به علماء العربية حتى الآن . فهم يطلبون الصواب والحق ، ويدفعون الخطأ والخطل والباطل .
ولست ههنا في معرض تقويم مبادئ كل منهم ونتائج أعماله ، أكانت موضوعية إيجابية أم كان في بعضها تحكّم وأوهام وفساد ؟ إنني أقرر المبدأ الذي انطلقوا منه والغاية التي صبوا إليها ، والأصول التي اجتمعوا عليها . أما التفصيلات الجزئية والفردية ، والقيمة العلمية أو العملية لتلك الجهود ، فأدعها للدارسين المخلصين يتتبعونها بالتمحيص والتقويم .
لقد نسي دعاة التسوية العشوائية أن مشكلة الفصاحة ظاهرة شائعة في كثير من اللغات الحية ، وأن أكثر الجماعات اللغوية ، كالإنكليزية والألمانية والفرنسية ، يضم كل منها مستويات لغوية لا مستويين فحسب ، والعلماء والأدباء في تلك الجماعات يتحرون المستوى الأمثل في التعبير والكتابة والشعر والمحاضرات « 1 » .
ثم إن علم اللغة يقرر ، فيما يقرر ، تمايز اللغات في بعض قوانينها ، وضرورة اكتشاف هذه القوانين في اللغة المعينة من حياتها ومظاهرها وطبيعتها . فلماذا تنسحب قوانين بعض اللغات الأعجمية على لغتنا الحبيب ؟ ولماذا لا تستنبط قوانين العربية من ميادينها ؟
والعجيب حقّا أن هؤلاء الدعاة يتهمون القدماء من النحاة العرب أنهم تناولوا اللغة بالعقلية الأعجمية والمنطق اليوناني ، ويلصقون بهم كل نقائص الدراسات اللغوية
هامش
( 1 ) علم اللغة العربية ص 18 .