تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
يقبل منه ما انتشر وعمّ ، فتثبت صوره وأشكاله واتجاهاته ، ويموت منه ما تقلص واندثر . وهذه مسألة تقتضي التمحيص والنظر . وهي في رأيي ذات شقين : أحدهما لا اختلاف فيه « 1 » . وهو ضرورة دراسة المتجدد اللغوي ، ورصد قوانينه واتجاهاته في انتشاره واندثاره . والآخر موطن الخلاف والتدقيق . وهو المساواة بين اللهجات واللغات ، وجعلها كلها صحيحة جيدة سواء أكانت فصيحة أم كانت عامية . إن اللغة ، كما هو معلوم ، ظاهرة اجتماعية لا بد من تقويمها ومعرفة مستوياتها ، كما تقوّم الأعراف والتقاليد والأديان والأخلاق والآداب والقوانين والدساتير ، فيرصد انحرافها واستقامتها وتشوهها ، ويحكم على كل بما يستحقه من الاستحسان والاستهجان ، بمقاييس أهله خاصة ، والمقاييس الموضوعية عامة . والحق أيضا أن اللغات الإنسانية ليست كلها في مستوى واحد ، وإن كانت جميعها تقتضي الاحترام والعناية والدراسة . أليس في الكائنات راق ودني ، وفي الناس قدّيسون ومجرمون ، وفي البقاع ديار مقدسة ومهالك تتفادى ، وفي العقول صحيح وسقيم ، وفي الأخلاق كريم ولئيم ، وفي السلوك سوي ومنحرف ؟ بل إن في الأنسجة والخلايا ما هو راق عليّ ، وفيها ما هو خبيث دنيّ . أفبعد هذا ينكر على اللغات أن يكون بينها تفاضل ومستويات ؟ إنها عقدة النقص ، يتخبط فيها من لم يستطع إتقان السديد القويم من العربية ، ومن لم يفهم مقاصد علماء اللغة ، حين ميزوا بين قيم اللهجات وحقها في الدراسة والحياة ، ومن ليس له لغة تليدة ذات تاريخ عريق ومجد سحيق ، ومن ليس له لغة
هامش
( 1 ) نقول هذا ، وإن كان بعض المتطرفين ، ممن تأثر المدرسة اللغوية الأمريكية ، قد غالوا جدّا ، فزعموا أن العربية الفصحى غير واقعية . وما يدرس منها مصنوع مزور ، وأن الجدير بالبحث هو اللهجات العامية المحلية ، لأنها نماذج واقعية . العربية الفصحى ص 8 من المقدمة .
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 38 | فخر الدين قباوة