تحتفظ بقوامها قرنا واحدا ، فإذا هو يتصدّى لسائر اللغات ، فينكر عليها حقوقها ، ويسلبها تميّزها ومكانتها ، لتكون لغته الهجينة أو قدراته القاصرة في مصافّ السليم والكفيّ .
وقد استغلّ أمثال هذا علم اللغة ، وسخروه لغاياتهم الشخصية والقومية والسياسية ، فحملوه قسرا على مسايرة نزعاتهم وتحقيق أحلامهم ودغدغة عواطفهم .
فلماذا نسير وراءهم في هذا التّيه ، وننقل مستحضراتهم ومساحيقهم إلى حياتنا اللغوية ؟
إننا لا ننكر على لغات العالم واللهجات المحلية وجودها ، وحقها في الحياة والدراسة والعناية والتدوين . ولكننا لا نسلم أن تكون كلها في مستوى واحد ، من القدرة والنّماء والطواعية والحيوية والاستيعاب والخلود ، ولا نسمح لها أن تسلبنا حقّ لغتنا في الكرامة والتقدير .
إننا إزاء لغة القرآن الكريم ، لغة اختارها اللّه - تعالى - لكتابه المقدس ، وقال فيها :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 15 / 9 ] . إنّ في الأرض بقعة أكرمها اللّه فكانت كعبة القلوب والأبصار ، وفي السّنة ليلة فضّلها اللّه فكانت خيرا من ألف شهر ، وفي المخلوقات كائنا كرمه اللّه فسخّر له ما في السماوات والأرض ، وفي الناس من اختاره اللّه فكان رسولا أو نبيّا ، وفي عالم الكتاب كتبا أنزلها اللّه فكانت سماوية مقدسة .
وإنّ في لغات العالم لغة خصّها اللّه بكتابه الكريم فكانت لسانا عربيّا مبينا ، حصّنها بالنموذج اللغوي الرفيع ، تتلى آياته ليل نهار ، ويحفظها الأطفال والشيوخ والشبان بألفاظها وعباراتها وأدائها ، على مرّ العصور واختلاف الأصقاع ، ويحتكم إليها في العقيدة والخلق والقانون والمعاملة ، ويستمد منها ضوابط اللغة وقواعدها في المعجم والأصوات والصرف والإعراب والبلاغة ، وتحتذى أساليبها وتعابيرها في ميادين القول والبيان ، وصياغة الشعر وفنون الكلام والنتاج الأدبي أو العلمي . . . وبذلك كان