اليونانية وعيوبها . ثم نراهم الآن يقعون فيما نعوا على القدماء ، فيتلمسون ما يصدر عن الدراسات اللغوية المعاصرة من أحكام في الغرب ، ليصبّوه بحذافيره في ميادين علوم العربية ، دون مراعاة لتميز اللغات ، وخصوصية كل منها .
لقد كان عليهم أن يختبروا الأحكام الجاهزة ، ويدرسوا هذه اللغة المتميزة دراسة واعية ، ليروا ما يوافقها من تلك الأحكام ، فيستفيدوا منه في مهماتهم العلمية ، وما يناقض خصائصها ليدعوه في موطنه يقوم بوظيفته دون تحكم واقتسار .
إن أبرز خصائص العربية أنها محافظة ، عاشت قرونا بعد قرون ، وانتشرت في بقاع بعد بقاع ، وهي تلازم قوانينها التعبيرية والمعجمية والإعرابية والصرفية ، في مستويات العلوم والآداب . حتى إن شعر الجاهلية ما زال يدرس في كل قسم للعربية من جامعة ، وإن ما يذاع بالعربية في أقصى المشرق يفهمه عرب المغرب وكل من درس العربية الفصحى . وهذا يعني أن قوانين التطور اللغوية الأعجمية ليست هي نفسها في لغة العرب .
إننا لا ننفي عن لغتنا تلك المظاهر . فالعربية في تطور ونماء ، ولكن وفق طبيعتها المحافظة وصبغتها التقليدية . والتطور الذي تعرفه لغة العرب هو نمو داخلي واضح الاتجاهات ، يتولد ضمن حدود القياس في التعبير ، والاشتقاق والتّصريف ، والنّحت والتركيب ، والاشتراك والتّضاد ، والمجاز والترجمة والتعريب .
ولو أننا استغللنا طاقات اللغة العربية ، الكامنة في توليد ما تحدثه بالاشتقاقات الصغير والكبير والأكبر وحدها ، لكان لدينا ملايين المفردات المعاصرة . فإذا أضفنا إلى ذلك احتمالات الصيغ والأبنية المختلفة والمجاز والاصطلاح كان ما لا يمكن حصره في حدود .
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 41
مساهمون: فخر الدين قباوة
ص٤١