وهذا الخليل بن أحمد يصنف كتاب « 1 » « فائت العين » ، ليستدرك بعض ما غفل عنه من قبل . وهذان مؤرج السدوسي ونصر بن علي يستدركان عليه شيئا من الفوائت ، مع أنه شيخ لهما « 2 » . وهذا أبو تراب يؤلف كتاب « الاستدراك على الخليل » ، ليخطئه في أماكن ، ويزيد ما أنقصه وينقص ما زاده في غير بابه ، ويهذب المضطرب تهذيبا أقرب إلى الصواب « 3 » . وقد ذكرنا فيما مضى صنيع المفضل بن سلمة الكوفي في ردّه على الخليل ، وإصلاح ما في كتاب العين من الغلط والمحال .
وهؤلاء ، كما ترى ، رجال من البصرة أو الكوفة ، لهم في التحقيق نصيب مذكور ، وعلى أيدي القدماء منهم نشأ ذلك الاتجاه وترعرع ، ثم قوي عوده في مجالس بغداد ونواديها ، وأصبح له أبعاد واضحة وحجم مشهود . ولذلك أجزنا لأنفسنا نسبته إلى بغداد . وإنك لو رجعت إلى تراجم هؤلاء لرأيت أكثرهم قد كان له في بغداد مقام ملحوظ . ومثل هذا كفيل بتفسير ما ذهبنا إليه .
فالنزعة هذه ، وإن كانت إنسانية عامة تبسط أصداءها في كل زمان ومكان من حياة الإسلام ، استطاعت أن تنمو بنشاط وتشب في الحياة العلمية ببغداد ، وتنشر فروعها في المجالات اللغوية وفي قلوب الواردين والصادرين .
وبذلك توسع الدارسون في فهمها وتطبيقها ، حتى أصبح لدينا في النحو العربي مثلا مذهب هو مذهب المحققين ، ينضج في حاضرة الخلافة العباسية ، ويبسط ظلاله في جميع بقاع الإسلام ، كالشام ومصر وفارس والمغرب والأندلس . فإذا نحن أمام مصنفات غفيرة في هذه السبيل بين الأقطار المختلفة ، مثل « لحن العوام » للزبيدي ( ت 379 ) ، و « تثقيف اللسان » لابن القطاع ( ت 515 ) ، و « غلط الضعفاء من
هامش
( 1 ) الفهرست ص 71 ومعجم الأدباء 11 / 75 . وانظر المعجم العربي ص 297 .
( 2 ) الفهرست ص 71 . وانظر المعجم العربي ص 297 .
( 3 ) المعجم العربي ص 298 .