تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وابن خالويه والزجاج وابن السراج والزجاجي ، والبشتي والفارسي والجوهري وابن فارس والأزهري وابن جنّي ، والتبريزي وابن الشجري وابن يعيش . . . فهؤلاء وأمثالهم كانوا في اتجاه التحقيق تلاميذ لبغداد ، ومتأثرين مذهب أصحابها في البحث والتصويب ، وإن كان لهم مظاهر أخرى هي من نتاج آثار وثقافات مختلفة . 2 - ليس هذا يعني أن الدرس اللغوي ، في بغداد ، كان كله يسير في ميدان التحقيق والتوثيق للفصاحة والسداد . فقد أشرنا من قبل إلى انتقال أصداء الدراسات البصرية والكوفية ، وانتشارها بين صفوف البغداديين ، ليتعصب بعضهم لهذه ، وآخرون لتلك . أضف إلى هذا أن اتجاه التحقيق لم يكن في خط موحد ، أو مستوى واحد ، لدى جميع الدارسين في بغداد ، أو المتأثرين خطا مسيرة بغداد . فالعلوم الإنسانية ، كما نعلم ، هي أقرب إلى المحافظة والتقليد ، وأقلّ تحسّسا للعوامل الخارجية ، وهي تجمع في طياتها آثار الماضي والحاضر آمادا طويلة ، ولا تلفظ الأقدم إلّا حين يصبح قديما ما كان جديدا ، وتعيش دائما بين عصرين أو أكثر . ولذا كنا نرى في بغداد نفسها من يجمع إلى التحقيق نزعة بصرية أو كوفية ، ومن يعيش في أحضان شطر واحد ، ومن يخلط الشطرين دون تمييز أو وضوح . بل إنك لترى في بعض الأحيان ألوانا من أساليب التحقيق ، تختلف بحسب فهم أصول البحث ومقاييسه ووسائله وغاياته . 3 - لسنا نزعم أيضا أن النزوع إلى التحقيق نشأ في بغداد . ولسوف ترى أن نسبة هذا النزوع إلى بغداد نسبة مجازية ، قوامها التغليب . فقد كان في البصرة والكوفة جانب من هذا المنزع ظاهر ، قبل تأسيس تلك الحاضرة . هذا عيسى بن عمر يأخذ على أبي عمرو بن العلاء أنه يجيز « ليس الطيب إلا المسك » ، فيستعين أبو عمرو بالسماع العملي من بني تميم ، ليستدل على صحة مذهبه « 1 » .
هامش
( 1 ) مجالس العلماء ص 1 - 4 .
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 34 | فخر الدين قباوة