غير أن هذه المعالم المتناثرة لم تأخذ شكل الاتجاه الواضح المديد ، إلّا بجهود من عاش في أواخر القرن الثالث ، وعقود القرن الرابع ، كابن كيسان والأخفش الأصغر والزّجاج وابن السّراج والزجاجي والسيرافي وابن خالويه والفارسي والرماني . . . الذين لم يلتزموا مذهبا معينا ، مع أن أكثرهم كان من البصريين .
وقد انصبت حصيلة هذا كله في نتاج من خلف ، فجاء ابن جني يعلن الانتصار لمذهب التحقيق والاستدلال الموضوعي . فهو حين عرض لجواز فتح عين مثل : بحر وصخر وجهرة ، عند الكوفيين ، ومنعه لدى البصريين وهو منهم ، قال عن علماء الكوفة « 1 » : « وما أرى القول من بعد إلا معهم ، والحقّ إلا في أيديهم . وذلك أني سمعت عامة عقيل تقول ذاك ولا تقف فيه » . ثم زاد هذا الأمر وضوحا ودقة ، فقال « 2 » : « ولا قرابة بيني وبين البصريين ، ولكنها بيني وبين الحق . والحمد للّه » .
ثم كانت موجات متدافعة في هذا السبيل ، مثّلها الخطيب التبريزي وابن الشجري وأبو البركات الأنباري وابن يعيش . . . فأصبحنا نرى للتحقيق والتوثيق ألوانا مختلفة في التأصيل والتطبيق . هذا التبريزي يوجه في شروحه الأدبية واللغوية كثيرا من المسائل توجيها نحويّا ، يختاره من إحدى المدينتين « 3 » . وهذا الأنباري يؤلف كتاب « الإنصاف » ، فيعرض لمسائل الخلاف بين النحاة من البصرة والكوفة ، ويرجح في كل منها أحد المذاهب أو الآراء . وهذا ابن يعيش يبسط أقوالا وآراء مختلفة للقدماء ومن خلف بعدهم ، ويحتج لبعضها مختارا أو مؤيّدا « 4 » . بل إنك لترى ملامح هذه النزعة بادية بإلحاح في مسيرة الدرس النحوي حتى أيامنا الحاضرة .
هامش
( 1 ) المحتسب 1 / 84 .
( 2 ) المصدر نفسه 1 / 166 .
( 3 ) منهج التبريزي في شروحه ص 24 - 27 .
( 4 ) المدارس النحوية ص 280 - 281 .