قراءة للكوفيين ، وهو شيخ أهل البصرة ، ووصفها بالجودة « 1 » ، كما ردّ بعض أقوال أستاذه الخليل « 2 » . ثم نقف عند الفرّاء ، فإذا هو يرجح رأي البصريين في بعض المسائل النحوية ، ويسفّه مذهب شيخه الكسائي « 3 » .
وقد اتضحت ثمرة هذه البوادر في رجال القرن الثالث ، فإذا بالمازني يوسع حلبة التحقيق والاختيار ، إذ يدفع أقوال سيبويه في عدة مسائل ، ويوافق الكوفيين في مسائل أخرى « 4 » . ثم تراه يخطو خطوة فسيحة نحو الاجتهاد ، حين يلقي مقولته المشهورة « 5 » : « إذا قال العالم قولا متقدّما فللمتعلم الاقتداء به والاحتجاج لقوله ، والاختيار لخلافه إن وجد لذلك قياسا » . وهكذا يفتح الباب واسعا أمام الباحثين ، ليخرجوا على ما رسمه المتقدمون ، إن وجدوا طريقا للاجتهاد ، وسبيلا للتقويم والسّداد .
ولهذا قام المبرد يتصدى للرّد على سيبويه ، والانتصار للأخفش أو الكسائي ، والاجتهاد في بعض المسائل « 6 » . بل إنه عندما اعتذر من صنيعه هذا ، وعاد إلى تصويب مذهب سيبويه ، لم يخرج على منهج التوثيق والتحقيق . ولم ينس في مصنفاته الأخرى وجهته هذه ، فكان يرجح قولا على آخر ، كما فعل في اختياره قولا للكسائي على قول ليونس بن حبيب « 7 » .
هامش
( 1 ) الكتاب 1 / 397 .
( 2 ) المصدر السابق 1 / 397 - 398 .
( 3 ) مراتب النحويين ص 88 ومعاني القرآن 1 / 300 . وانظر الخلاف النحوي ص 37 .
( 4 ) الخلاف النحوي ص 49 - 50 وابن عصفور والتصريف ص 142 .
( 5 ) المنصف 2 / 318 والخصائص 1 / 119 .
( 6 ) الخصائص 1 / 206 و 3 / 287 .
( 7 ) الكامل 323 .