وقد وقف أبو العباس ثعلب ( ت 291 ) في كتابه « الفصيح » ، يعالج لحن العامة والخاصة ، ويختار فصيح الكلام مما يجري في أحاديث الناس وكتبهم ، فكان منه ما فيه لغة والناس على خلافها ، وما فيه لغتان أو أكثر والفصحى واحدة . . . ولذلك كنت تسمعه « 1 » يميز اللحن بقوله : « ولا تقول كذا » . ومثل هذا كثير سمعناه قبله من ابن السكيت ، وبعض المؤلفين . وقد تكاثرت مصنفات التصويب والتفصيح والتسديد والتقويم ، حتى دخل فيها من لم يكن من اللغويين المشهورين .
فقد جرد بعض العلماء كتبا لما يلحن فيه خواص الناس ، فكان « لحن الخاصة » لأبي هلال العسكري ( ت 395 ) ، و « درة الغواص » للحريري ( ت 516 ) . وفي هذا الكتاب الأخير تلحظ ، بالإضافة إلى دفع اللحن وتوثيق الفصيح ، نثارا من قواعد التعبير وضوابط الأداء السليم « 2 » ، كنا لمسنا ما يشبهه لدى ابن السكيت أيضا من قبل .
ثم لا ننسى ما ولّده التصحيف والتحريف من جهود المحققين والقاصدين إلى الصواب . فقد رأينا في « إصلاح المنطق » و « أدب الكاتب » جانبا من ذلك غير يسير ، يصطنع المقاييس والموازين الصرفية لضبط الصور السليمة الأصيلة ، وحفظ الشعر والنثر من الانحراف .
وكأن هذه المعالم لم تستطع قطع دابر فتنة التشويه والمسخ ، فهبّ بعض العلماء يخصّها بكتب تبين أخطارها ، وتضم استطالاتها وشعابها التي عرفها التاريخ في قراءة القرآن الكريم ، ورواية الحديث الشريف ، وأداء الشعر واللغة ، وتحض على ضرورة المشافهة وأخذ الرواية بالتّلقّي والسّماع من العلماء .
هامش
( 1 ) المعجم العربي ص 102 .
( 2 ) درة الغواص ص 22 وفي اللغة ودراستها ص 93 .