مظاهر التحقيق
كان لتلك العوامل الأربعة مجتمعة أن وجد الدرس اللغوي نفسه ببغداد مدفوعا في خط لا مفرّ منه ، يحدوه الإيمان بالحق والصواب ، وتغمره ضروب من وسائل الاختبار والتفحص والتقويم ، للوصول إلى ما يواكب روح العصر وطبيعة الموضوع وأشواق النتاج العلمي السديد .
فلا غرو أن تسيطر النزعة إلى التحقيق على ميادين بحث اللغة ، وتستبد بنفوس الباحثين ، وتصبح سمة بارزة في كثير من نتاج العلوم اللغوية ، في عنفوان شبابها البغدادي ، ومن ثم تنتشر تلك السمة ، لتسري في نفوس من زار بغداد ، دارسا أو مدرّسا أو مصنّفا . وها نحن أولاء نستعرض نماذج من تلك النزعة ، في بعض جوانب الدراسة اللغوية لعهد بني العباس :
1 - التقويم للمادة اللغوية :
كان الدارسون الأوائل في بغداد يرون ما جمعه شيوخهم البصريون والكوفيون ، من لغة العرب ، مصدرا للبحث والمعرفة . وقلّما عرضوا لهذه المرويات بالنظر والاختبار . ولكنهم لما شبّوا عن الطوق ، وبرزت معالم شخصيتهم العلمية ، رجعوا إلى تلك المادة بالمقاييس النقدية ، يختارون الفصيح والصحيح ، ويجعلونهما مناط التصنيف للمعاجم والكتب اللغوية الجامعة .
فالكتب المتقدمة من هذه التصانيف دخلها ، كما يقول الأزهري ، كثير من الكلمات المصحّفة أو المستخدمة في غير معانيها أو المشوهة « 1 » . وبعض المعجميين ، كابن دريد « 2 » عرفوا بافتعال اللغة ، وتوليد الألفاظ التي ليس لها أصول ، وإقحام
هامش
( 1 ) تهذيب اللغة 1 / 6 والمعجم العربي ص 232 .
( 2 ) تهذيب اللغة 1 / 31 .