وإذا كان هؤلاء قد أمسكوا بزمام العربية ، أن يفسدها ما دخل الكتب اللغوية الجامعة ، من ضعف وتعجّل واستيفاء غير ممحص ، فإن اللّحن الذي فشا في صفوف العامة من قبل ، وتسرب إلى ألسن الخاصة وكتب العلماء والأدباء من بعد ، فتح أمام المحققين ثغرة لا تسدها تلك المحاولات . ولذلك وجب عليهم أن يضعوا مصنفات تعالج هذا المرض الجديد ، وتحيط اللغة بسياج من الوقاية والصيانة .
وقد تصدّى لهذا العمل الكريم كبار العلماء ، فصنف « 1 » كل من الكسائي وأبي عبيدة والأصمعي والمازني والسّجستاني وأبي عبيد كتابا تحت عنوان « ما تلحن فيه العامة » ، يبين صور التغير اللغوي المتسرب ، والصور السليمة الفصيحة . وقام ابن السكيت ( ت 244 ) بإصدار كتابه « إصلاح المنطق » ، بغية حفظ لغة العرب « 2 » من اللحن والخطأ والتصحيف ، في أبواب قيّدها بضوابط من الوزن الصرفي ، وظواهر العلة ، والهمز والتضعيف ، والتذكير والتأنيث ، والتغليب والجحد . .
ثم جاء ابن قتيبة ( ت 276 ) بكتابه « أدب الكاتب » ، وقد صرح بالغاية التي يرمي إليها به . فهو قد لمس تهافت الكتّاب في العجز والقصور ، واستسلامهم للجهل وضعف اللغة والتفكير « 3 » ، فتجرد لتثقيفهم وانتشالهم من غياهب التضعضع ، وجعل في كتابه مجالا « 4 » لمعرفة ما يضعه الناس في غير موضعه ، ولإقامة الهجاء ، وللكلمتين يضع الناس إحداهما موضع الأخرى ، وللأفعال المهموزة تدع العوام همزها . ولما تصحّفه العوام ، ولما جاء مفتوحا والعامة تكسره ، ولما تتكلم به العامة من الأعجمي ، ولأبنية الأفعال والأسماء .
هامش
( 1 ) في اللغة ودراستها ص 86 .
( 2 ) منهج التبريزي في شروحه ص 279 .
( 3 ) أدب الكاتب ص 6 - 8 . وانظر أدب الكتاب للصولي ، وأدب الكتاب لابن درستويه .
( 4 ) أدب الكاتب ص 17 و 182 و 238 و 283 و 298 و 300 و 333 و 422 .