5 - النحو والبيان
لهذا الموضوع أهمية خاصة ، وبما أني لم أتطرق إليه في الكتاب ، فإنه من المناسب أن نتدارك هذا النقص بعرض موجز عن علاقة النحو بالبيان ، وذلك بتلخيص ما أورده ابن الأثير في كتاب المثل السائر حيث يقول : « إن علم النحو من علم البيان في المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في الخط . وإذا نظرنا إلى ضرورته وأقسامه المدونة وجدنا أكثرها غير محتاج إليه في إفهام المعاني ، ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت له « قوم » بإثبات الواو لكان المعنى مفهوما . وكذلك الشرط لو قلت « إن تقوم أقوم » لكان المعنى مفهوما . لكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيده ، ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول : أعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة ، كتقديم المفعول على الفاعل ، وعلى هذا ورد قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
( فاطر - الآية 28 ) . وأما التصريف فإنه إذا لم يكن البيان عارفا به لم يفسد عليه معاني كلامه ، وإنما تفسد عليه الأوضاع » .
وأعطى أمثلة من غوامضه منها تصغير « اضطراب » ب « ضطيرب » لدى نحوي لا يعرف أن الطاء مبدلة من التاء لكن عالم التصريف يقول فيه « ضتيرب » ثم تابع رأي الذين انتقدوا على نافع قراءة « معائش » بالهمزة ، وسبق أن أوضحنا غلطهم .
ثم ذكر نماذج من اللحن الخفي مثل قول أبي نواس :
كأن صغرى وكبرى من فواقعها * حصباء در على أرض من الحطب
و « فعلى أفعل » لا يجوز حذف الألف واللام فيها . وللبحتري أغلاط ، دونها المعري في عبث الوليد .
ويقول أبو الطيب :
أرأيت همة ناقتي في ناقة * نقلت يدا سرحا وخفا مجمرا
تركت دخان الرمث في أوطانها * طليا لقوم يوقدون العنبرا