ولقد شرحنا في هذا الكتاب الأسباب الظرفية التي أدت إلى إحجام بعض النحاة عن الاستناد إلى مدونات الحديث في شواهدهم ، وأعطينا مثالا عن قصة سيبويه مع حماد بن سلمة ، ورأينا أن جل النحويين المعاصرين لسيبويه لم يكونوا أولي معرفة كاملة بعلوم الحديث ، لأن تدوينه في ذلك الوقت لم يكتمل ، وقد يكون من الغريب أن أحمد بن يحيى المعروف بثعلب كان من وعاة الحديث ، ومع ذلك فإننا لا نجد أثرا لإفادته من النصوص في استشهاداته النحوية .
وبينا كيف تطورت قضية الاستشهاد بالحديث ، حتى جاء ابن مالك فأعاد الأمور إلى وضعها الطبيعي ، فاستشهد بالحديث في تأييد آرائه النحوية ، وبرهن على نحوية كل ما ورد فيه مما اعتبره بعض النحاة غير مقيس ، ومن أبدع مؤلفاته في هذا الموضوع كتاب التوضيح في شرح مشكلات الجامع الصحيح .
وممن عالجه من المعاصرين الأستاذ محمد ضاري في كتاب الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية والأستاذ محمود فجل في كتاب الحديث النبوي في النحو العربي .
3 - النحو والشعر :
في كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتا من الشعر ، استشهد بها إمام النحاة دليلا على أحكامه النحوية ، ونسب الجرمي ألفا منها إلى قائليها ، وبقيت خمسون مجهولة ، حيكت حولها أسطورة معروفة .
وبعد شواهد الكتاب توالت إيرادات الشواهد الشعرية ، عند علماء النحو ، وعني بها كثير من الشراح ، أمثال الأعلم الشنتمري ، وابن السيرافي ، والنحاس ، وبدر الدين ابن مالك ، والعيني ، والسيوطي ، وتوجت هذه الأعمال بكتاب خزانة الأدب للبغدادي الذي تناول فيه شواهد الرضي للكافية ، فصار موسوعة في النحو والأدب ، لأن صاحبه التزم فيه بإيراد القصيدة التي أخذ منها الشاهد ، وترجمة القائل إن كان معروفا ، والقضية النحوية التي هي محل الاستشهاد .
ولقد أتيح له ، حسبما ذكر في مقدمة كتابه أنه اطلع على مدونات جمة مكنته من القيام بهذا العمل .