تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب — صفحة 728

مساهمون:

ص٧٢٨
ولعل من أسباب وفرة الاستشهاد بالشعر ، تدوينه في وقت مبكر ، وسهولة حفظه واستحضاره ، ولم يعزب عن النحويين أن للشعر خصائصه وضروراته ، لمراعاة الوزن والقافية ، فنبهوا على ما أسموه بضرائر الشعر . وقد أوردنا فصلا منه في أصل ابن السراج ، ومع ذلك فإن النحويين اعتمدوه عموما أساسا لتقرير أكثر قواعدهم وتبريرها . ولعل هذا أيضا مما سرب الضعف إلى حججهم حتى ضرب بها المثل . ولقد أشرنا إلى ما للزبيدي من فضل في اختيار أمثلته من اللغة دون التركيز على الصيغ الشعرية التي ليست في الحقيقة نموذجا أو مثالا للكلام العربي العادي .

4 - النحو والمنطق :

العلاقة بين النحو والمنطق علاقة قديمة وحميمة إذ يلتقيان في مصطلحيهما وفي غايتهما . فالنحو آلة يعرف بها صواب تراكيب ألفاظ اللغة ومعانيها في خطئها ، والمنطق آلة يعرف بها صحة المعنى وتصديقه من خطئه . وكل منهما يعتمد طرق الاستقراء والاستنباط ، غير أنهما لا يتطابقان تماما ، فالمنطق يستند إلى الأدلة العقلية ، مفترضا وحدتها وشمولها ، والنحو يستند إلى معطيات اللغة الوصفية ، معترفا بأن قواعدها قابلة للاستثناء والتخصيص . وقد تناول موضوع هذه القضية الأستاذ عبد الفتاح الدجتي في كتابه عن النزعة المنطقية في النحو العربي ( الكويت 1982 م ) والأستاذ الحاج عبد الرحمن صالح في كتابه عن « النحو ومنطق أرسطو » . ولقد أشرنا في معرض الحديث عن الرماني والجزولي كيف أفاد النحو من المنطق من حيث رسم الحدود ، واستنباط التعليل وصياغة بعض الأقيسة . ولعل أوضح ما يبين هذه العلاقات ، ما ورد في مناظرة السيرافي ومتى بن يونس ، والفقرات التالية تلخص أوجه التشابه والتباين بينهما . ويقول متى فيها : « لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشر ، والحجة من الشبهة إلا بما حويناه من المنطق » . وقال : « إن المنطق آلة من الآلات يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه ، وفاسد المعنى من