وأرادوا له أن يكون مستقلا في منهجه مختصا بقواعده العامة ، وبمصطلحاته الخاصة ، ثم إنهم فرضوه على النحو فرضا .
ومع أن علم النحو ليس مادة سهلة في حد ذاتها ، لأنه وسيلة معرفة لغته التي ينطبق عليها ، ولا يتم استيعابها إلا بإحكام هذه اللغة ، فالدارس للغة لا يمكن أن يتقنها الا إذا عرف نحوها ، ولن يعرف نحوها إلا إذا أتقنها . وهذا « الدور » من أحرج الصعوبات المنهجية التي تواجه دارس النحو . زد على ذلك دقة المفاهيم النحوية وغموضها ، ووفرة المصطلحات واختلافها وتعارض النظريات في الأقيسة والتعاليل .
وكأن النحو لم يكتف بهذه الصعوبات الطبيعية ، فها هي اللسانيات الحديثة تضع عليه أثقالا تنوء بها العصبة أولو القوة ، فيقول زعماؤها إنه لا بد من مراجعة أسس التراث النحوي ، ووضع تصور جديد مبني على وجود نحو علمي لجميع اللغات ، ولا بد من تقبل نظريات جديدة تحمل أسماء البنيوية والتحويلية التوليدية ، ولا بد من تقبل مصطلحات جديدة ، ورموز حرفية للقيام بعمليات مماثلة لتلك التي نراها في المعادلات الرياضية ، ولا بد من تصور مشجرات تمثل رسوما بنيانية للقواعد الجديدة التي علينا أن ندرسها . ومما يزيد من هذه المصاعب ، حدة الشقاق بين زعماء المدارس اللسانية ، واعتبار كل واحد منها هو صاحب الحق الأصوب .
وبعد ارتكاب كل هذه المراقب الصعبة ، ومجاوزة عقباتها الجمة فإننا لا ندري إلى أي شاطئ سنصل ، وعلى أي نتيجة سنحصل .
ومما يزيد تعقيد مباحث اللسانيات أن الذين كتبوا عنها من المثقفين العرب ، تفرقوا شيعا وطوائف ، بحسب انتمائهم إلى المدارس الغربية المختلفة فيما بينها ، وبعضهم انطلق من هذه المدارس وبحث في النحو العربي افتراضا أن نظريات مدرسته اللسانية قابلة للتطبيق في كل لغة . ومنهم أساتذة وباحثون سعوا إلى تجديد مناهج النحو ، واستهوتهم النظريات اللسانية الحديثة ، فحاولوا على ضوئها ، إعادة تنظيم المعارف النحوية اعتمادا على المعطيات العلمية المتاحة عند علماء اللسانيات .
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب — صفحة 690
مساهمون: محمد المختار ولد أباه
ص٦٩٠