. . .
شرح
ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم " « 1 » فهو استعارة ، أي : هم مثل اليد ؛ وما قاله هو الصواب على ما نختاره ، إلا أنه لا يحسن منه ؛ لأنه يرى أن مثل ذلك تشبيه لا استعارة إلا أن يريد بقوله استعارة ، أنه ليس بمجاز مرسل ، ونظير إطلاق اليد على القدرة إطلاق اليمين ، وقد ادعى ذلك في قوله تعالى :وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ« 2 » وليس كذلك ، بل هو استعارة بالتخييل وإليه أشار الزمخشري بجعله ذلك خارجا عن الحقيقة وعن المجاز ، أي المجاز المرسل ، والغرض من قوله تعالى :وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِإذا أخذ بجملته ، ومجموعه تصوير عظمته - تعالى - والتوقيف على كنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية أو جهة مجازية ، فإن السامع لذلك إذا كان له فهم يقع على الزبدة والخلاصة « 3 » التي هي الدلالة على القدرة الباهرة ، وأن الأفعال العظيمة التي تتحير فيها الأذهان هينة عليه هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه ، إلا بما تؤديه هذه العبارة من التخييل ، ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ، ولا أنفع وأعون على تعاطى تأويل المشتبهات ، وما أتى من زل إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقيب ، حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدروه حق قدره لما خفى عنهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه ، لا يحل عقدة من عقدها المؤرّبة « 4 » ، ولا يفك قيودها المكرّبة
هامش
( 1 ) " حسن " أخرجه أبو داود وابن ماجة ، وانظر صحيح الجامع ( ح 6712 ) .
( 2 ) سورة الزمر : 67 .
( 3 ) ومن هنا استنبط الطيبي في التبيان ( 1 / 339 بتحقيقى ) نوعا من الكناية فهمه من الكلام السابق لصاحب الكشاف ( 3 / 408 - 409 ) سماه بالكناية الزّبدية ، ولنا أن نقول : إن إثبات ما ذهبتم إليه من دلالة الآية التي اختلف فيها : هل هي من باب الاستعارة أو الكناية أو الحقيقة ؟ - لا نمانع فيما ذهبتم إليه هنا من دلالة هذه الآية على القدرة الباهرة ، ولكننا نقول : إن إثبات هذه الدلالة وهي القدرة لا ينافي إثبات ما وصف اللّه تعالى به نفسه من صفة ( اليمين ) بل إن إثبات هذه الدلالة بإثبات تلك الصفة يكون أكمل وأتم ، وليس ثمة مانع من إثبات تلك الصفة إلا إثباتها على جهة المشابهة بينه وبين الحوادث ، أما إثباته على جهة التنزيه لا على جهة التمثيل وأن له يمينا ويدا لا كسائر الأيدي فليس ثمة مانع منه ؛ بل إن هذا هو الأصل ؛ لأن الأصل هو الحمل على الحقيقة .
( 4 ) المؤرّبة : المحكمة وفي اللسان : الأربة بالفم العقدة التي لا تنحل حتى تحلّ حلّا يقال : أرّب عقدتك . . . وتأريبها إحكامها اللسان : أرب .