ومما جاء بين كلامين وهو أكثر من جملة : قوله تعالى : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ( 1 ) ؛ فإن قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ بيان لقوله : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
وينبغي أن يقال : النكتة أن الإخبار بأن علم المرء ينفعه فيه تأكيد لامتثال الأمر في قوله : اعلم . زاد المصنف في الإيضاح : أنه قد يكون لتخصيص أحد مذكورين بزيادة التأكيد في أمر علق بهما ، نحو : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ ( 2 ) أو للاستعطاف ، كقول المتنبي :
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه . . . يا جنتي ، لرأيت فيه جهنما ( 3 )
أو التنبيه على سبب أمر غريب ، كقول الشاعر :
فلا هجره يبدو وفى اليأس راحة . . . ولا وصله يبدو لنا فنكارمه
فإن قوله : فلا هجره يبدو يشعر بطلب هجر الحبيب ، وهو مستغرب حتى ذكر سببه ، وهو أن اليأس راحة فهي المطلوبة ، لا أن الهجر نفسه مقصود ، وفيه نظر . قد يقال : إن هذا من قسم التكميل ؛ لأن فيه دفع إيهام أن يكون الهجر لنفسه مقصودا ، ثم قال المصنف :
ومما جاء بين كلامين ، وهو أكثر من جملة أيضا ، قوله تعالى : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فإن قوله تعالى :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ متصل بقوله : فَأْتُوهُنَّ لأنه بيان له .
( قلت ) : وفى قول المصنف : أن فيه اعتراض أكثر من جملة نظر ؛ لأن المراد بقولنا أكثر من جملة : أن لا تكون إحداهما معمولة للأخرى ، وإلا فهما في حكم جملة واحدة .
وقوله تعالى : يُحِبُّ التَّوَّابِينَ خبر إن ( 4 ) ، فلا يكون مع ما قبله جملتين معترضتين ، وكذلك قوله تعالى : يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ معطوف على الخبر ، وفيما ذكره المصنف شبه من قول الزمخشري في قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 5 ) إن في هذه الآية الكريمة سبع جمل معترضة :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 222 - 223 .
( 2 ) سورة لقمان : 14 .
( 3 ) البيت لأبى الطيب المتنبي في شرح التبيان 2 / 328 .
( 4 ) لعله مقدم عن محله والظاهر أنه بعد على الخبر اه . كتبه مصححه .
( 5 ) سورة الأعراف : 96 .