لكن أصل ( إن ) عدم الجزم بوقوع الشرط ، وأصل ( إذا ) الجزم بوقوعه ، ولذلك كان النادر موقعا ل إن ، وغلب لفظ الماضي مع إذا ؛ نحو : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ( 1 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
إذا المجردة للظرفية لا في المتضمنة معنى الشرط . نعم قال بعضهم : إن ( إذا ) لا تدل على الشرط والارتباط ، بل حصول الفعلين معها بحسب الاتفاق ، إذ لو لوحظ فيها معنى الشرط جئ بالفاء نحو قوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ ( 2 ) ، ولا يجوز : ( إن يقم زيد ما ضربته ) لكن الأصل في ( إن ) عدم الجزم بوقوع الشرط ، فإذا قلت : ( إن قام زيد ) دل على أنك غير جازم بأنه سيقوم ، وأصل ( إذا ) الجزم ؛ ولذلك كان النادر أي : الذي يندر - وقوعه موقعا ؛ لأن أي مكان وقوعها ، فإن قلت : كيف تدخل ( إن ) على فعل الموت كقوله تعالى : وَلَئِنْ مُتُّمْ ( 3 ) قلت : أجاب عنه الزمخشري بأنه لما كان مجهول الوقت ساغ ذلك فينبغي حينئذ أن يضاف إلى غير المجزوم به غير المجزوم بوقته ، فإن قلت : فليجز التعليق على احمرار البسر بأن قلت :
إنما امتنع عند من منعه ؛ لأن وقته معلوم بالتقريب ، وإنما أتى بلفظ الأصل لأنه قد يأتي عكس هذا كما سنذكره ، وكون ( إذا ) موضوعة للمجزوم به خلاف ما ذكره ابن مالك وغيره من أنها لما تيقن كونه أرجح ، والذي يتلخص أن ( إن ) و ( إذا ) يشتركان في عدم الدخول على المستحيل إلا لنكتة نحو : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ( 4 ) ، وتنفردان بالمشكوك فيه والموهوم ، وتنفرد ( إذا ) بالمجزوم به ، وهل تدخل على المظنون ؟ خلاف ، لكن قول المصنف : أصل ( إن ) عدم الجزم يدخل فيه الأربع فيرد عليه المستحيل والمظنون وليس الأصل دخولها عليهما .
قال المصنف : ولأجل ذلك غلب لفظ الماضي مع ( إذا ) ؛ لأن الفعل بعدها مجزوم به ، فاستعمل فيه ما ينبئ عن تحققه ؛ لأن المستقبل إذا قصد تحققه يؤتى به بلفظ الماضي كقوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ ( 5 ) ، ثم ذكر قوله تعالى : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أتى في الحسنة ( بإذا ) ؛ لأن وقوع مطلق الحسنة مجزوم به ؛ لأن الحسنة - أعنى نعم الله تعالى المحبوبة للعباد - غالبة
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 131 .
( 2 ) سورة الجاثية : 25 .
( 3 ) سورة آل عمران : 158 .
( 4 ) سورة الزخرف : 81 .
( 5 ) سورة النحل : 1 .