تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
فلو لا أنه جعله قمرا حقيقيّا لما كان للنهي عن التعجب معنى ؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى بسبب ملابسة القمر الحقيقي ، لا بملابسة إنسان كالقمر في الحسن . لا يقال : القمر في البيت ليس باستعارة ؛ لأن المشبه مذكور - وهو الضمير في غلالته وأزراره - ؛ لأنا نقول : لا نسلم أن الذكر على هذا الوجه ينافي الاستعارة المذكورة ، . . .
شرح
التسامح ؛ لأنه إنما يتعدى للقميص ويتضمن الدلالة على الأزرار ، ولا يتعدى إلى الأزرار والشاعر قد عدّاه إليها ( قوله : فلولا أنه جعله . . إلخ ) حاصله : أنه لما خشي أن يتوهم أن صاحب الغلالة إنسان تسارع البلى لغلالته فيتعجب من ذلك ؛ لأن العادة أن غلالة الإنسان لا يتسارع البلى إليها قبل الأمد المعتاد لبلاها نهى الشاعر عن ذلك التعجب وبين سبب النهى وهو أنه لم يبق في الإنسانية ، بل دخل في جنس القمرية ، والقمر لا يتعجب من سرعة بلى ما يباشر ضوءه ؛ لأن هذا من خواصّه - ومتى ظهر السبب بطل العجب - ولكون ما ذكر من خواص القمر قيل : إن من جملة عيوب القمر أنه يهدم العمر ويحل الدين ويوجب أجرة المنزل ويسخن الماء ويفسد اللحم ويقرض الكتان ويعين السارق ويفضح العاشق الطارق ( قوله : لأن الكتان ) أي : الذي كانت منه الغلالة ( قوله : لا نسلم أن الذكر على هذا الوجه ينافي الاستعارة ) أي : لأنه لا ينبئ عن التشبيه ، والمنافى لها إنما هو الجمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه بحيث يكون المشبه به واقعا خبرا عن المشبه كما في : زيد أسد ، أو حالا منه أو صفة له نحو : مررت بزيد أسدا ، وجاءني رجل أسد ، فذلك الجمع ينبئ عن التشبيه ضرورة أنه لا يصح صدقه على ما جرى عليه فتقدر أداة التشبيه نفيا لما يلزم من فساد الصدق كما تقدم على ما فيه ، وأما إذا ذكر المشبه لا على وجه ينبئ عن التشبيه - كما في البيت - لعدم جريان المشبه به عليه حتى يسهل تقدير الأداة نظرا للمعنى فهو استعارة ، وقد سبق كلّ من هذا البحث وجوابه في بحث المجاز العقلي ، وأنت خبير بأن هذا الجواب يقتضى أن نحو : على لجين الماء استعارة وهم صرحوا بكونه تشبيها إلا أن يقال : تصريحهم بكونه تشبيها لا ينافي صحة كونه استعارة - فتأمل .
حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 299 | الشيخ محمد الدسوقي / عبد الحميد هنداوي