فعل ينبئ عن تعظيم المنعم . . .
شرح
الزمخشري « 1 » : إن المدح والحمد شيء واحد . ( قوله : فعل ) اعترض بأن الفعل ما قابل القول والاعتقاد كما هو المتعارف ، وحينئذ فيكون الفعل من كلامه غير شامل للشكر اللساني والجنانى ؛ لأن الذي باللسان قول والذي بالجنان كيفية نفسانية ، وحينئذ فلا يصح تعميمه في الفعل بعد ذلك بقوله : " سواء . . . إلخ " ، فكان الأولى أن يعبر بأمر يشمل الموارد الثلاث ، ويجاب بأنه أراد بالفعل الأمر والشأن على اصطلاح أهل اللغة لا ما قابل القول ، والاعتقاد كما هو المتعارف أو المراد بالفعل ما قابل الانفعال ، ولا شك أن كلا من القول والاعتقاد ليس انفعالا .
( قوله : ينبئ ) فيه أن الشكر الجنانى وهو الاعتقاد لا يصح إنباؤه عن التعظيم إذ لا معنى لإنبائه بالنسبة للشاكر لما فيه من تحصيل الحاصل ولا بالنسبة لغيره لعدم اطلاعه عليه لكونه خفيا ، وعلى فرض أن يطلعه عليه الشاكر بقول أو فعل فالمنبىء حقيقة هو ذلك القول أو الفعل المطلع لا الاعتقاد ، وحينئذ فيكون تعريف الشكر غير جامع لخروج اعتقاد الجنان لعدم الإنباء فيه مع أنه من أفراده ويكون قوله الآتي : " أو بالجنان " فاسدا لعدم إنبائه . قلت : المراد بالإنباء الدلالة لا الإخبار ، ولا شك أن الشكر الجنانى وهو اعتقاد الشاكر أن المنعم متصف بصفات الكمال دال على تعظيم المنعم بالنسبة للشاكر وغيره ، ولا يقدح في كون الاعتقاد دالا على تعظيم المنعم بالنسبة لغير الشاكر جهله به وعدم اطلاعه عليه ؛ لأنه لو زال المانع وعلم به لعلم مدلوله وهو تعظيم المنعم ؛ لأن الدليل ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر لا ما يلزم من وجوده العلم بشيء آخر ألا ترى أن الدخان دال على النار بالنسبة للأعمى ؛ لأنه لو علم به لعلم بالنار بغير واسطة
هامش
( 1 ) هو العلامة أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي كبير المعتزلة النحوي صاحب الكشاف والمفصل ، حجّ وجاور وتخرج به أئمة . وكان رأسا في البلاغة العربية والبيان ، وله نظم جيد ، ومن مصنفاته أيضا الفائق في غريب الحديث ، وربيع الأبرار ، وأساس البلاغة ، والمنهاج في الأصول ، وقال الذهبي : " كان داعية للاعتزال ، اللّه يسامحه " . توفى ليلة عرفة سنة 538 ه .
انظر : سير أعلام النبلاء للذهبي ( 20 / 151 ) ، والأعلام للزركلي ( 7 / 178 ) .