تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
( وفيه نظر ) لأن كلا من كثرة التكرار ، وتتابع الإضافات إن ثقل اللفظ بسببه على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بالتنافر ، وإلا فلا يخل بالفصاحة ؛ . . .
شرح
صوت المحبوبة فلا يحسن في نظر العقل طلب تصويتها ؛ لأنه يفوت سماعها ، بل اللائق طلب الإصغاء ، فكان الواجب على الشاعر أن يقول : اسمعى أو اسكتى أو انصتى ، فقبلت الشهادتان ، فإن قلت : شهادة العقل لا تقبل إلا لو كان الغرض بسجعها سماع تصويتها ، ويمكن أن يكون الغرض بسجعها إظهار نشاطها وطربها برؤية المحبوبة وسماع كلامها كما يحصل للبلابل عند رؤية الأزهار وسماع الأوتار : فهي شهادة مجروحة . وقد وجد في البيت ما يدل على أن الغرض من التصويت ما ذكر ، وهو ضم الرؤية إلى السماع وجعلهما من أسباب الأمر بالتصويت أيضا ، ولا شك أن الرؤية لسعاد لا تصلح سببا لسجع الحمامة ، وإنما تصلح سببا لظهور النشاط ، فالعقل شاهد عليه لا له ، والمعنى : اسجعى أيتها الحمامة ، فإن الدواعي للنشاط والطرب موجودة ، وهي مشاهدة تلك المحبوبة - التي تفوق الأزهار في النضارة ، وسماع صوتها الذي يعلو على صوت الأوتار ، وأجيب بأن معنى شهادة العقل بفساده أنه يحكم بفساد توجيه مخالف للنقل ، وعنه مندوحة على أن ضم الرؤية إلى السماع يصلح ؛ لأن يكون سببا في الأمر بسجع الحمامة لأجل سماع صوتها ؛ لأن السماع مع الرؤية ألذ وأتم من السماع بدون الرؤية - فقول المعترض وقد وجد في البيت إلخ ، ممنوع - تأمل . ( وقوله : وفيه نظر إلخ ) حاصله أن ذلك القائل يدعى أن كثرة التكرار وتتابع الإضافات مخل بالفصاحة مطلقا ، فلا بد من الخلوص منها . وحاصل الرد عليه : أنا لا نسلم ذلك الإطلاق ، بل الحق تقدم أن تنافر الكلمات عبارة عن كونها ثقيلة على اللسان عند اجتماعها ، وإن كانت فصيحة ، وإن لم يحصل للفظ ثقل بسببهما فلا يخلان بالفصاحة ، وذلك لأن إخلالهما إنما هو من جهة ما يحصل بهما من الثقل ، فإذا انتفى ذلك انتفى الإخلال ؛ لأنه يلزم من نفى السبب المساوى نفى المسبب ، وحيث كانا لا يخلان فلا يصح الاحتراز عنهما .