أحدهما : عسيت ، إلى آخرها ، والآخر : عساك ، إلى آخرها ، ويسقط الوجهان الأوّلان لأنّ أحدهما هو الذي / وقع هذا المضمر موقعه ، والآخر لا يستقيم أن يكون مضمرا ، لأنّه « أن » والفعل لفظا ، فلا يستقيم تغييره ، والظّاهر أنّه قصد استعمالها مع المضمر خاصّة باعتبار الوجهين الأوّلين ، فجعل في الوجه الأوّل وجهين : عسيت وعساني إلى آخرهما على ما ذكر في المضمرات ، وجعل في الثاني وجها واحدا باعتبار فاعل الفعل الواقع بعد أن ، وليس ذلك من أحكام عسى ، وإنّما ذلك قياس إضمار الأسماء ، فلم يكن لذكره مع « عسى » وجه .
وأمّا « كاد » فلم يأت إلّا على نحو واحد ، وهو قياس الأفعال في الظّاهر والمضمر ، وقد ضمّ بعضهم فاءها مع المضمر [ كقولك : « كدت » ] « 1 » ، كأنّه جعلها من الواو ، وليس بالقويّ ، والفصل بين « عسى » و « كاد » واضح من قوله ، وقد تقدّم ما يرشد إليه .
قال : « وقوله تعالى :
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
« 2 » » .
قال الشيخ : اختلف النّاس في « كاد » فقال بعضهم : هي في الإثبات نفي ، وفي النفي إثبات « 3 » ، وتمسّكوا في الإثبات بأنّك إذا قلت : « كاد زيد يخرج » ، فالخروج غير حاصل ، فهذا معنى كونها نفيا في الإثبات ، وتمسّكوا في النّفي بمثل قوله تعالى :
وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
« 4 » ، ومعلوم أنّهم فعلوا ، وبقوله « 5 » :
إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد * رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
على ما سيأتي ، وهذا معنى الإثبات في النّفي ، وهذا مذهب فاسد ، فإنّ قوله : « كاد زيد يخرج » معناه إثبات مقاربة الخروج ، وهذا معنى مثبت ، وأخذ النفي للخروج ليس من موضوعه ، وإنّما هو من قضيّة عقليّة ، وهو أنّ الشّيء إذا كان محكوما عليه بقرب الوجود علم أنّه غير
هامش
( 1 ) سقط من الأصل . ط . وأثبته عن د . ذكر سيبويه عن بعض العرب الضم في « كدت » ، انظر الكتاب : 3 / 11 ، 4 / 40 ، 4 / 343 ، والسيرافي : 124 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 7 / 124 ، وارتشاف الضرب : 2 / 126
( 2 ) النور : 24 / 40
( 3 ) هو مذهب ثعلب ، انظر مجالس ثعلب : 141 - 142 ، وضعف ابن مالك وابن هشام هذا الرأي ، وصححا أن إثباتها إثبات ونفيها نفي ، انظر شرح التسهيل لابن مالك : 1 / 399 ، ومغني اللبيب : 737 - 738
( 4 ) البقرة : 2 / 71 ، والآيةفَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ .( 5 ) هو ذو الرمة ، والبيت في شرح ديوانه : 1192 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 7 / 125 ، والخزانة : 4 / 74 - 75 ورسيس الهوى : مسّه ، ويبرح : يزول ، وهو فعل تامّ ، انظر الخزانة : 4 / 75