أنّهم يؤمنون ، وفيه ردّ لقولهم ، ويجوز أنّها على ظاهرها لغير « لعلّ » على معنى التعليل لتوبيخهم على ذلك ، وجوابا لسؤال مقدّر ، كأنّه قيل « 1 » : لم وبّخوا على ذلك ؟ فقيل : لأنّها إذا جاءت لا يؤمنون .
قال : « لكنّ هي للاستدراك » ، إلى آخره .
قال الشيخ : وضع « لكنّ » على أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها على ما تقرّر عند ذكر دخول الّلام مع « إنّ » ، فإذا كان ما قبلها نفيا كان ما بعدها إثباتا وبالعكس ، وليس المقصود صورة النفي والإثبات ، وإنّما المعتبر المعنى ، فلو قلت : « سافر زيد لكنّ عمرا أقام » استقام « 2 » ، لأنّ المعنى : لكنّ عمرا ما سافر « 3 » ، وكذلك لو قلت : « ما سافر زيد لكنّ عمرا لم يقم » كان مستقيما ، لأنّ المعنى : لكنّ عمرا سافر ، فاستقام في الجميع لحصول الغرض في المخالفة بين ما بعدها وما قبلها ، ومنه قوله تعالى :
وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ
« 4 » ، لأنّ المعنى : ولكنّ اللّه ما أراكهم كثيرا ، فاستقام لهذا المعنى على ما تقدّم ، وإنّما فهم ذلك من قوله : « ولكنّ اللّه سلّم » لكونه جاء في سياق « لو » ، و « لو » تدلّ على امتناع الشّيء لامتناع غيره ، فدلّ « 5 » على أنّ الإراءة ممتنعة في المعنى ، فلمّا قيل : « ولكنّ اللّه سلّم » علم إثبات ما فهم إثباته أوّلا ، وهو سبب / التسليم ، وهو نفي الرّؤية ، فعلم أنّ المعنى : ولكنّ اللّه ما أراكهم كثيرا ليسلّمكم ، فحذف السّبب وأقيم المسبّب مقامه .
قال : « وتخفّف فيبطل عملها كما يبطل عمل « إنّ » و « أنّ » » .
لم يرد تشبيهها بهما في جواز الإعمال لأنّها لا تعمل إذا خفّفت ، بخلاف « إنّ » و « أنّ » ، وإنّما لم يعملوها لأنّها أشبهت بالتخفيف « لكن » العاطفة في اللّفظ والمعنى ، فأجريت مجراها في ترك العمل ، بخلاف « إن » و « أن » ، فإنّهما ليس لهما ما يجريان عليه في منع العمل .
« وتقع في حروف العطف على ما سيجيء بيانه إن شاء اللّه تعالى » .
هامش
( 1 ) سقط من د : « قيل » ، خطأ .
( 2 ) في د : « جاز » .
( 3 ) بعدها في د : « أو المعنى ما سافر » .
( 4 ) الأنفال : 8 / 43 .
( 5 ) في د : « يدل » .