« أن » المفتوحة المخفّفة كيفما وقعت ولم يقدّروه في « إن » المكسورة ألبتّة لأمرين :
أحدهما : أنّهم وجدوها داخلة على الفعل الذي لا يدخل على المبتدأ والخبر ، فلو لم يقدّر الضمير لخرجت عن حقيقة وضعها ، بخلاف « إن » المكسورة ، فإنّها لا تدخل إذا دخلت على فعل إلّا وهو من الأفعال الداخلة / على المبتدأ والخبر ، فكان في ذلك توفية لما تقتضيه ، وهذا التعليل مستقيم على مذهب البصريّين ، فلذلك لم يجيزوا « إن قام لزيد » « 1 » .
والوجه الثاني : أنّهم وجدوا « إن » المكسورة عاملة وهي مخفّفة في الفصيح من الكلام ، قال اللّه تعالى :
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ
« 2 » فجاء منصوبا في قراءة كلّ من خفّف « 3 » ، ولم تجىء « أن » المخفّفة المفتوحة عاملة في ملفوظ بعدها إلّا ما ذكرناه من الضرورة ، وهي أولى في العمل بعد التخفيف من المكسورة بدليل جواز العطف على المكسورة بالرّفع ، وتقدير وجودها كالعدم ، فإذا جاء الإعمال فيها « 4 » مع ذلك فإعمال المفتوحة أجدر ، فلذلك قدّروا معها ضمير الشّأن ، والذي يدلّك على ذلك وأنّ « 5 » العرب تقصده قول الشّاعر « 6 » :
في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
هامش
( 1 ) ذهب الكوفيون إلى أنّ « إن » المخففة نافيه لا عمل لها ، وهي عند البصريين مخففة من الثقيلة قد تعمل وقد تهمل ، وإن وليها فعل لم يكن في الغالب إلّا فعلا ماضيا ناسخا ، انظر الكتاب : 2 / 140 ، والبغداديات :
37 - 39 ، وشرح التسهيل لابن مالك : 2 / 34 - 35 ، وارتشاف الضرب : 2 / 149 ، والجنى الداني : 209
( 2 ) هود : 11 / 111
( 3 ) قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر « وإن » « كلا لما » مخففة ، انظر كتاب السبعة في القراءات : 339 ، والكشف عن وجوه القراءات السبع : 1 / 536 - 537 ، والنشر : 2 / 290 ، والتيسير : 126 ، والإتحاف : 260
( 4 ) في د : « في المكسورة » .
( 5 ) في الأصل . ط : « أن » ، وما أثبت عن د .
( 6 ) هو الأعشى ، والبيت الشاهد ملفق من بيتين وردا في ديوان الأعشى وهما :في فتي كسيوف الهند قد علموا * أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل
إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا * إنّا كذلك ما نحفى وننتعلديوانه : 59
والبيت الشاهد بالرواية التي أثبتها ابن الحاجب ورد منسوبا إلى الأعشى في الكتاب : 2 / 137 ، 3 / 164 ، 3 / 454 ، وأمالي ابن الشجري : 2 / 2 ، والإنصاف : 199 ، والمقاصد للعيني : 2 / 287 ، والخزانة : 3 / 547 .