وفيه وجه آخر ليس بضعيف ، وهو أن يقدّر مبتدأ مستقلا بنفسه من غير تشريك بينه وبين ما قبله ، مثل قولك : « قام زيد وعمر منطلق » ، رفع « عمر » بالابتداء على حكم الاستقلال ، كذلك إذا قلت : « إنّ زيدا قائم وعمر » ، فيجعل « عمر » مرفوعا على الاستقلال وخبره محذوف دلّ عليه ما قبله .
قال : « و « لكنّ » تشايع « إنّ » في ذلك دون سائر أخواتها » ، إلى آخره .
قال الشيخ : وإنّما شايعتها لكونها لم تغيّر معنى الجملة التي بعدها كما لا تغيّره « إنّ » ، فإنّ قلت :
كيف ثبتت مخالفتها ل « إنّ » باعتبار الّلام « 1 » وثبتت مشايعتها لها باعتبار العطف على المحلّ قلت : أمّا مخالفتها لها باعتبار الّلام فقد ذكر بأمر واضح ، وأمّا مشايعتها لها باعتبار العطف فلأنّ العطف لم يكن متعلّقا بأمر تقدّمها حتّى تحصل المخالفة بينها وبين « إنّ » بذلك كما حصلت في الّلام لذلك ، وإنّما العطف باعتبار ما بعدها ، وما بعدها لا يتغيّر حكمه ومعناه بدخولها كما لا يتغّير ب « إنّ » ، فلمّا تشايعا في المعنى الذي من أجله صحّ العطف في « إنّ » صحّ العطف فيها أيضا لموافقتها في ذلك .
وأمّا سائر أخواتها فمخالفة لها في المعنى الذي من أجله صحّ العطف لمخالفة المعنى بدخولها ما كان عليه قبل دخولها ، ألا ترى أنّ قولك : « ليت زيدا قائم » ليس بمعنى « زيد قائم » ، فلذلك تعذّر العطف / عليها ، إذ لا يمكن تقديرها كالعدم كما أمكن تقدير « إنّ » ، فظهر الفرق بين البابين في المعنى الذي لأجله صحّ العطف .
قال : « وقد أجرى الزّجّاج الصفة مجرى المعطوف وحمل « 2 » عليه قوله تعالى :
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
( 48 ) « 3 » .
يعني أنّه جعل ارتفاع « علّام الغيوب » على أن يكون صفة ل « ربّي » المنصوب ب « إنّ » باعتبار « 4 » التأويلين المذكورين أوّلا ، [ أحدهما أن يعتبر « إنّ » مع اسمها في محلّ الرّفع ، والثاني : أن يجعل
هامش
( 1 ) سقط من د : « اللام » . خطأ .
( 2 ) في د : « وعطف » ، وهو مخالف للمفصل : 296 .
( 3 ) سبأ : 34 / 48 ، وما ذهب إليه الزجاج أجازه الفراء والجرمي ، انظر معاني القرآن للفراء : 2 / 364 ، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج : 4 / 257 - 258 ، وإعراب القرآن للنحاس : 3 / 354 ، وشرح التسهيل لابن مالك :
2 / 52 ، وشرح الكافية للرضي : 2 / 354 .
( 4 ) في د : « اعتبار » . تحريف .