تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في شرح المفصل — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
ووجه استدلاله « 1 » أنّه قد جاء قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
« 2 » ، وقد جاء « يغفر لكم من ذنوبكم » « 3 » ، فإن لم تحمل على الزيادة تناقض ، وليس بمستقيم ، لأنّه يثبت أصلا في العربيّة بما ليس بثبت « 4 » ، لكونه محتملا غير ما ذكره ، وذلك أنّ قوله تعالى :
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
إنّما ورد في قوم نوح ، ويجوز أن يكون قوم نوح إنّما يغفر لهم البعض ، و
« يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً »
إنّما ورد في هذه الأمّة ، فصحّ حمل تلك على التّبعيض وزال وهم التّناقض ، ثمّ ولو سلّم أنّ الآيتين لإحدى الأمّتين لجاز أن يكون
« يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً »
لبعضهم ، و
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
لبعضهم ، فيصحّ أن تحمل [ « من » ] « 5 » على التّبعيض ، ويزول وهم التّناقض ، وإذا ثبت ذلك سقط الاستدلال ، فإذن الوجه ما ذكره سيبويه ، ومن استقرى كلام العرب أدنى استقراء علم انتفاء صحّة « مات من رجل » و « ضرب من رجل » وشبهه . فإن قيل : فقد ثبت قولهم : « قد كان من مطر » « 6 » ، ومعناه : كان مطر فقد أجيب عن ذلك بأن قيل : هو على الحكاية ، كأنّ قائلا قال : هل كان من مطر ؟ فأجيب بقوله : قد كان من مطر ، وأسدّ من ذلك أنّه على معنى التبعيض كقولك : أخذت من الدّراهم ، كأنّك قلت : قد كان شيء من مطر ، ولا بعد في مثل ذلك ، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ، كقوله تعالى :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ
« 7 » . قال : « و « إلى » معارضة ل « من » دالّة على انتهاء الغاية » إلى آخره .
هامش
( 1 ) في د . ط : « استسهاده » . ( 2 ) الزمر : 39 / 53 . ( 3 ) سقط من د : « وقد جاء : يغفر لكم من ذنوبكم » . خطأ . ( 4 ) في د : « يثبت » ، وفي ط : « بمثبت » . ( 5 ) سقط من الأصل . ط . وأثبته عن د . ( 6 ) انظر شرح الكافية للرضي : 2 / 323 ، ومغني اللبيب : 360 ، والأشموني : 2 / 212 . ( 7 ) النحل : 16 / 67 ، وتتمة الآية :سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ،وجاء بعد الآية في د : « التقدير وإنّ لكم شيئا من الثمرات » .
الإيضاح في شرح المفصل — صفحة 136 | عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب ) / إبراهيم محمد عبد الله