والقضية بعد هذا ليست قضية تقديم فاعل أو تأخيره ، وإنّما هي قضية دلالية فأيّ تصرف أفقي في نظام الجملة الفعلية تنبني عليه دلالة محدّدة ففرق بين قولنا :
( وقعت هزّة عنيفة ) ، بتقديم الفعل ثم الفاعل وقولنا :
( هزّة عنيفة وقعت ) . بتقديم الفاعل .
فالجملة الأولى جملة فعلية تنقل خبرا إبتدائيا غير معلوم سابقا . لذا نبدأ بالفعل في حين أنّ المخاطب لا يعلم مسبقا أيّ شيء عن وقوع هذا الحدث ، ولهذا تتأسّس الجملة على حدث غير معلوم وتبتدئ به .
أمّا إذا قدّمنا الاسم وعّريناه عن العوامل اللفظية بجعله مبتدأ يصير محور الحدث الذي يدور عليه الخطاب هو هذا الاسم ، وما تبقى من الجملة تكون فقط إخبارا عنه .
إنّ الجملة المبدوءة بالاسم جملة وصفية ثابتة ولهذا أوجبوا أن يكون المبتدأ في أصل وضعه معرفة في حين أنّ الفاعل قد يأتي معرفة وقد يأتي نكرة من غير شرط والجملة الإسمية توحي بأنّ المخاطب يعرف شيئا عن الحدث لكنّه لا يعرف حدوثه أو عدم حدوثه . في حين أنّ الجملة الفعلية تنقل حدثا إبتدائيا ليس للمخاطب أيّ علم به زد على ذلك أنّ العرب في كلامها تراعي ما هو أهم عندما فتقدّمه لأغراض دلالية وبلاغية متعددة نذكر منها « 1 » :
أ - إزالة الوهم : تقول : ( محمد نجح ) . فقد كان المخاطب يظن أنّ الناجح عمرو وأنت بتقديم الاسم أزلت الوهم .
ب - القصر والتخصيص : فقولك : ( نجح محمد ) لا يعني أنّ غيره لم ينجح فإنّ قلت :
( محمد نجح ) قصرت النجاح عليه وخصّصته به من دون غيره .
ج - للتعظيم : لأنّ العرب يقدّمون الذي هم به أولى نحو : ( اللّه يرزقنا ) .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف : 4 / 99 ، مفتاح العلوم : 90 ومعاني النحو : 2 / 466 وما بعدها .