ففي حديثه عن « براعة الاستهلال » مثلا ، يتعرّض لمطلع ابن جابر فيقول : « فهذه البراعة ليس فيها إشارة تشعر بغرض الناظم وقصده ، بل أطلق التصريح ، ونثر المدح ، ونشر طيب الكلم . . . » « 1 » ، ثم يثني على مطلع صفيّ الدين الحليّ فيقول :
« وبراعة الشيخ صفي الدين الحليّ في هذا الباب من أحسن البراعات وأحشمها . . . » ، إلّا أنه لم يتعرض لذكر براعة الاستهلال عند عزّ الدين الموصليّ ، إذ إنّه سرقه منه .
ومن زهوّه بشعره قوله مثلا وهو يقدّم لقصيدة له : « وقلت بعد المطلع أخاطب النسيم بما هو أرقّ منه . . . » « 2 » . هذا المنهج الذي اعتمده ابن حجّة في تتبّعه من سبقه مع الزهو الذي تميّز به لم يرق لكثير من المؤلّفين والنقّاد ، فوقفوا له بالمرصاد ، وسلّوا سيوف النقد عليه وعلى إنتاجه ، يغربلونه وينخلونه باحثين فيه عن كل هنة ، ومن هؤلاء الشيخ عبد الغنيّ النابلسيّ في شرحه « نفحات الأزهار » حيث لم يستطع أن يخفي ازدراءه وانتقاده لابن حجّة ، فصرّح به منذ بداية شرحه قائلا : « ثمّ شرح قصيدته شرحا أخذ فيه بأذيال الإطالة ، وألبسه حلل السآمة والملالة ، . . . وتشدّق في عباراته ، وأفحش في إشاراته ، مع ما في أبيات قصيدته من الركّة والقلاقة ، واختلاس كلمات غيره بحسب ما عنده من الفاقة » « 3 » . وشرع بعد ذلك يتتبّع ابن حجّة في بديعيته وانتقاداته لغيره ولسابقيه من أصحاب البديعيات ، ينقّب عن سرقاته ، ويتقصّى هنواته وعثراته ومجانبته للصواب ، فوجد أن عدم تعرّض ابن حجّة لمطلع الموصليّ يعود إلى أنّه قد سرقه منه ، وقال : « وقد دخل هذا البيت فكر ابن حجّة . . . فسرق من مصراع الباب . . . » « 4 » ، وفي بيت « التكميل » مثلا ، يردّ على ابن حجّة انتقاده عدم وضوح بيت صفيّ الدين ، فيقول : « ومحل التكميل قوله : « تعضدها عناية » ، إلى آخره . . . ، وعجيب كيف ينكر ذلك منكر ، وشمس العناية مشرقة في أفق البيت » « 5 » .
وممّن تتبّع ابن حجّة في عمله ابن معصوم المدنيّ ، فنظم بديعيته « التي فاقت بديعية ابن حجّة فلو أدركها لما قامت له معها على تزكية نفسه حجّة » « 6 » ، وإذا بحثت
هامش
( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 342 .
( 2 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 425 .
( 3 ) نفحات الأزهار ص 3 .
( 4 ) نفحات الأزهار ص 12 .
( 5 ) انظر نفحات الأزهار ص 137 ؛ وخزانة الأدب وغاية الأرب ، باب « التكميل » .
( 6 ) أنوار الربيع 1 / 28 .