تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وهناك مواقف صريحة من أنواع البديع ذاتها ، ولمحات نقدية واضحة إذ كثيرا ما كان ابن حجّة يصرّح بجودة هذا النوع أو ذاك ، واستحسانه له ، وإعجابه به ، أو يشير إلى أنه ما كان لينظمه إلّا سيرا على عادة غيره ، أو لإلزامية المعارضة ، وفي هذا كلّه لمحات نقديّة واضحة . ولابن حجة الحمويّ مواقف متميزة في هذا الأمر ، إذ استحسن عددا من الأنواع البديعية واستهجن أخرى ، وكان ممّا استهجنه نوع « المراجعة » إذ قال : « ليس تحتها كبير أمر ، ولو فوّض إليّ حكم في البديع ما نظمتها في أسلاك أنواعه » « 1 » . وقال في نوع « التفويف » : « تأمّلته فوجدته نوعا لم يفد غير إرشاد ناظمه إلى طرق العقادة » « 2 » . ومثل هذه الأمثلة كثير في شرحه ، وقد جمع محمود رزق سليم منها الكثير في كتابه « عصر سلاطين المماليك » « 3 » ، وقد اجتزأت عن مجموعها ببعضها للتمثيل على هذه الظاهرة من اللمحات النقديّة المتنوّعة ، التي لو ضمّت إلى غيرها من الظواهر النقديّة ، فإنّها تساعد على توضيح ذاك الجانب النقديّ الذي كان أثرا من آثار بديعيته ، ونتيجة طبيعية لها . وهذا كلّه يدلّ على أنّ هذا الفنّ الشعريّ لم يقتصر على نظم الأنواع البديعية ، ولم يكتف « شرحها » بتعريف هذه الأنواع ، بل كان لذلك كله أثر في نشأة حركة نقديّة واضحة المعالم ، تمثلت في « شرح بديعيته » شكلا ومضمونا ، وفي ما انبثق حولها من كتب ومؤلّفات « 4 » .

ج - أثرهما في البلاغة :

لا شكّ في أن للبديعية ولشرحها أثرا في البلاغة ، باعتبار أن البديعية هي « فنّ » بلاغيّ ، انبثق بادئ الأمر من فكرة بلاغية محضة ، تبلورت مع الزمن ، وشاءت عوامل عديدة أن تلبسها ثوب الشعر المطرّز بالمديح النبويّ وألوان البديع . أمّا ما تركته هذه البديعية من أثر في البلاغة العربية وما خلّفته من معالم في حياة هذا الفنّ ، فيتمثل في الأمور التالية :
هامش
( 1 ) انظر خزانة الأدب باب « المراجعة » 2 / 197 . ( 2 ) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب باب « التفويف » 2 / 247 . ( 3 ) انظر عصر سلاطين المماليك 6 / 173 - 201 . ( 4 ) وانظر أيضا « ابن حجة الناقد » من ترجمته في مكانها من المدخل .
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 283 | كوكب دياب / علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )