في انتقاد مستقيم القول وأعوجه ، بل غايرته فيما جنح إليه من تزغيل إبريز الكلام وبهرجه » « 1 » ، وبهذا يكون أكثر عدلا من ابن حجّة في نقده ، مبيّنا الدافع الذي حمله على هذا العمل . ثم ينطلق أبو بكر إلى نقد بديعيّة ابن حجّة متّبعا طريقة واضحة في ذلك ، فيذكر بيت البديعية أوّلا ، ويبدأ بتحليله ونقده ، من حيث السرقة أو الركاكة والغوص في مضمون البيت .
ولو رجعت إلى محاكمته لبيت ابن حجّة في « الجناس الملفّق » مثلا ورضاه عن بيته في « الاكتفاء » « 2 » لوجدت طريقا نقدية هي أشبه بطرق النقد الموضوعيّ الحديثة ، وما يدلّ على موضوعيّته هذه في نقده أنّه كثيرا ما كان يقف أمام بيت من أبيات البديعية عاجزا عن فهمه فيتركه ويكل أمره إلى غيره دونما حكم صريح ، فيقول مثلا في شرح شطر من بيت « الجمع » : « حاولت أن أفهم معنى عجز هذا البيت فلم أوفّق له » « 3 » . وبهذا يكون كتاب أبي بكر العلويّ استجابة للحركة النقديّة التي دارت حول هذه البديعية في عصره ، وقد أنار بدوره طريق البديعيات الأخرى بومضات نقديّة فاحصة من خلال بديعية ابن حجّة ؛ حتى ليمكن القول أن هذه الكتب السابقة لم تتسع دائرتها لتشمل كل البديعيات بل دارت في فلك بديعيّة واحدة نظمها ابن حجّة ، وذلك لما أثارته هذه البديعيّة حولها من حركة نقديّة كادت لولاها أن تكون مفقودة .
2 - الحركة النقديّة في شرح « تقديم أبي بكر » :
لم يقتصر أثر البديعية في الحركة النقديّة على ما دار حولها من آراء ومواقف وقضايا ، بل كان لها دور آخر من خلال شرحها الذي نستشفّ في ثناياه ملامح نقديّة تمثّلت في الأمور التالية :
أ - الملامح النقديّة في البناء العام ل « الشرح » :
من خلال الكلام السابق على مضمون شرح البديعية ، يبدو أنّه يعتمد على الفنون البديعية في بادئ الأمر ، لينطلق منها جامعا من الشعر والنثر أجمله وأطرفه ، وأكثره
هامش
( 1 ) إقامة الحجة ص 4 .
( 2 ) انظر إقامة الحجة ص 6 ، 25 .
( 3 ) انظر إقامة الحجة ص 48 .