عجب في عمله هذا إذا ما عرفنا عنه أنّه تميّز بكثير من الزهو والإعجاب بالنفس والحدّة في الموقف ، ولهذا كانت هناك مجموعة من الكتب التي ألّفت في الردّ عليه والانتقاص منه ومن عمله ، وفي الدفاع عنه والتأييد له . فهو يصرّح منذ بداية شرحه أنه إنما نظم بديعيته وأمامه بديعيّتا الصفيّ والموصليّ بالإضافة إلى بديعية ابن جابر ، وهو ينظر إليها نظرة الناقد المتفحّص ، الباحث عن خبايا جمالها ومواطن ضعفها ، ليستطيع بذلك أن يتدارك نقصا سبق ، وأن يبزّ غيره بجمال وفضل إجادة ، فينطلق ليسابق هؤلاء مخلّفا وراءه كلّ من سبقوه إلى هذا الفنّ ، وقد أعانه على ذلك صديقه الأديب المعروف محمد بن البارزيّ الذي كان وراء نظم هذه البديعية وشرحها . ومن هنا جاء تتبّعه للشعراء الثلاثة في بديعيّاتهم ومقارنة عمله بأعمالهم مستعينا بمشورة صديقه ، إذ قال : « فاستخار اللّه مولانا الناصري . . . ورسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام ، وأجاري الحلّيّ برقّة السحر الحلال ، الذي ينفث في عقد الأقلام ، فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه . . . ويقول : بيت الصفيّ أصفى موردا ، وأنور اقتباسا ، فأسنّ كلّ ما حدّه الفكر ، وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة ، فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره ، وقد صار لي فكرة إلى الغايات سبّاقة ، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال ، وجاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع ، وهو من ذلك محلول العقال » « 1 » .
وما يلاحظ من هذا القول أنّ هناك عملين اثنين كانا يرافقان نظم كل بيت من أبيات البديعية : أوّلهما : تتّبع ابن حجّة لمن سبقه وإعمال نفسه في التفوّق عليه ، وثانيهما : الموقف النقديّ المتمثّل في عمل ابن حجّة أولا ، وفي حكم المعروض عليه ( ابن البارزيّ ) ثانيا ، إذ كثيرا ما كان يشير عليه بالقبول أو الإعادة بعد مقارنته بأبيات الحلّيّ والموصليّ .
ومطلع « شرح البديعية » يبيّن لنا أنّ ابن حجّة لم يترك هنة من هنوات الصفيّ أو الموصليّ إلّا شهّر بها وأعلنها متجاوزا إلى أحسن ، مزهوّا بمقدرته وتفوّقه وإجادته في كلّ كلمة من كلمات بديعيته ، وحتّى من شعره ونثره الذي لا يمت إلى البديع والبديعيات بصلة ، وهذا تراه مبثوثا في كل أبواب الشرح المذكور .
هامش
( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 305 .