( الصفيّ والموصليّ ) ، ولما استطاعت بديعيته أن تعيش فترة من الزمن يشرحها هذا ، ويعارضها ذاك ، وينقدها ذلك . وربّما كان للاتجاه الديني الذي رافقها كغيرها من البديعيات ، أثر بالغ في قبول الناس لها ، إذ وجدوا فيها ملاذا يرجون بها الخلاص ، كونها من المدائح النبويّة ، بالإضافة إلى ما وجدوا فيها من غرض تعليميّ جديد ، فلاقت منهم آذانا صاغية وقلوبا واعية ، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على الحركة النقديّة التي كانت تدور حولها .
ج - كتب في نقد بديعيّته :
لم تقتصر الحركة النقديّة التي نشأت حول « البديعية » على الموقف التذوّقيّ المتمثّل في قبولها والإقبال عليها ، بل تعدّته إلى مرحلة التأليف في نقدها ، وتكاد تقتصر حركة التأليف النقديّ على الكتب التالية : « الحجّة في سرقات ابن حجّة » للنواجيّ ، و « الحجّة على من زاد على ابن حجّة في علم البديع » لعثمان بك الجليليّ ، و « إقامة الحجّة على التقيّ ابن حجّة » لأبي بكر بن عبد الرحمن العلويّ الحضرميّ ، و « سرقات ابن حجّة » لمجهول ، ولعلّ هذا هو نفسه كتاب تلميذه النواجيّ ، وذلك لتطابق العنوانين .
أمّا الكتابان الأوّل والرابع منها فلعلّهما قد تطرّقا إلى نقد بديعية ابن حجّة ، لما عرف عن النواجيّ ، صاحب الكتاب الأوّل ، من أخذه عن ابن حجّة ، ثمّ انقلب عليه وتركه ، فشنّ عليه غارة شعواء ، وكان لبديعية ابن حجّة أثر فيهما . وأمّا الكتاب الثاني « الحجّة على من زاد على ابن حجة في علم البديع » فإنّ مؤلّفه يتحدّث فيه عن غايته من تأليفه ، إذ يقول : « وكنت قد طالعت فيما تدون فيه [ أي البديع ] بديعية الأديب النبيه تقيّ الدين بن حجّة الحمويّ ، رحمه اللّه تعالى ، فإنّه وإن أكثر الشواهد فيها والتعريفات إلّا أنّه ، كما قيل ، كم ترك الأوّل للآخر ، فإنّه متقدّم على من جاء بعده من الأدباء ، وقد جاءت بعده عصبة كالجلال السيوطيّ العالم الفاضل ومن تبعه من بعده ، واخترعوا فيه أنواعا ، ثمّ جاء الحميديّ فخرج عن الجادة المقبولة لقبوله الأنواع البخسة إلى زمان شيخنا . . . محمد أمين الدين العمريّ بن خير اللّه الخطيب ، والشيخ محمد الغلاميّ ، رحمهما اللّه تعالى برحمته . . . فلم تزل تتزايد هذه الأنواع من أوّل الأمر إلى أن خبط فيها خبط عشواء ؛ فعنّ لي أن أستخلص منها ما زاد على بديعية التقيّ من الصحيح المقبول ونترك الضعيف المعلول ، وبحسب عقلي القاصر
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 276
مساهمون: كوكب دياب
ص٢٧٦