تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
بذلك ، لتفوّقه ورسوخ قدمه في ميداني الأدب : الشعر والنثر . . . وثانيهما : أنّ بديعيته - كما رأينا سابقا - كانت نتيجة لرغبة صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية ، محمد بن البارزيّ الجهنيّ ، والذي رسم لابن حجّة بنظم قصيدة بديعية يعارض بها قصيدتي الموصليّ والحليّ ، وأشار إليه بإرشاداته ولم يبخل عليه برأيه ونقده ليبزّ ببديعيته سابقتيها . وربّما كانت رغبة البارزيّ هذه بغية التقرب من جمهور الناس ، والظهور أمامهم بمظهر التّقى في عصر كان يستهوي الناس مثل هذا المظهر ، لما كان للمقياس الدينيّ من أثر في الفكر السائد آنذاك ، وهذا ما يجعله يرتبط بمفاهيم النقد ومقاييسه في ذلك العصر . وإذا رأى أحدنا اليوم أن هذه البديعية كغيرها من البديعيات « صناعة من العبث ، أضعفت من الشعر . . . وأوردته موارد التكلّف والتعمّل الثقيل » « 1 » فلأنّ مفاهيمنا النقديّة اليوم تختلف عن مفاهيم ذلك العصر ، وإن كانت امتدادا لموروث ثقافيّ وبيئيّ واحد . لذا فإنّ هذه البديعية قد وافقت بيئتها من ناحيتين على الأقلّ : أولاهما : الحسّ الدينيّ الذي كان يسيطر على جميع طبقات الشعب . وثانيهما : الذوق العام المائل إلى الزخرفة والتّنميق في كلّ شيء . وهذا ما جعل بديعيّته كغيرها من البديعيات تتطابق بما أتت به من ألوان بديعية مع الملامح الفنيّة السائدة في ذلك العصر . وليس غريبا بعد هذا أن يطلب ابن البارزيّ من ابن حجّة أن ينظم بديعيته ويعينه عليها ويرافقه في نظمها حتى النهاية « 2 » . ومن هنا لم تبق بديعية ابن حجة مجرّد فنّ شعريّ ، بل خرجت إلى دائرة النقد ، وما ذاك القبول والإقبال عليها من قبل الخاصّة والعامّة إلّا موقف له دلالته النقديّة الواضحة . ب - موقف العامّة : لقد اتّضح ، من خلال موقف الخاصة من بديعيّته ، أنه لولا حبّ العامّة لمثل هذا الفنّ وتعلّقهم به لما تقرّب ابن البارزيّ به إلى ابن حجّة ، ولولا ذلك أيضا لما أقدم على نظمها ، ولما جعلها غاية وذروة يتحدّى بها عميدي نظام البديعيات آنذاك
هامش
( 1 ) الصبغ البديعي ص 372 . ( 2 ) انظر خطبة ابن حجة في خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 304 - 306 .
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 275 | كوكب دياب / علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )