فما هو إلّا من أبناء هذا العصر ، وما نقده إلّا جزء من نقد العصر .
و - فنون مختلفة :
لم يقتصر هذا الشرح ، والكتب المنبثقة عنه ، على ما سبق ذكره ، بل إنّ من يتجوّل في جنانه ، ويبحث في رفوف خزانته ، يجد فيه الكثير من اللفتات البديعة ، والفنون المنوّعة ، ولا عجب في ذلك ، إذا ما علمنا أن ابن حجّة كغيره من شرّاح « البديعيات » كان بحقّ مثقّفا ثقافة إسلاميّة عربية متنوّعة كاملة ، فجاء شرحه صورة عن هذه الثقافة التي تمثلت بكثير من وجوه الفقه والتفسير والنحو واللغة والعروض والبلاغة ، وكلّها فنون من المستملح المستطاب . وتكفي الإشارة إلى ما أورده ابن حجّة في باب « التورية » ليكون مثالا على ذلك ، إذ ذكر حادثة جرت مع الحسن بن سهل وزير المأمون فقال : « يحكى أن بعض الشعراء هنّأ الحسن بن سهل باتّصال ابنته بالمأمون مع من هنّأه ، فأثاب الناس كلّهم وحرمه ، فكتب إليه : إن أنت تماديت على حرماني عملت فيك بيتا لا تعلم مدحتك فيه أم هجوتك ، فاستحضره وسأله عن قوله فاعترف ، وقال : لا أعطيك أو تفعل ، فقال [ من مجزوء الخفيف ] :
بارك اللّه للحسن * ولبوران في الختن
يا إمام الهدى ظفر * ت ولكن ببنت من « 1 »
فلم يعلم ما أراد بقوله « ببنت من » في الرّفعة أو في الصّغر ، واستحسن منه الحسن ذلك . . . » « 2 » .
وأمثال هذا كثير في شرحه .
ز - بديعيّات :
وممّا حواه شرح البديعية وحافظ عليه وأفادنا به البديعيات التي عارضها ابن حجة ، قاصدا بذلك أن ينبّه على تفوّقه وتقدّمه على أقرانه ، وهو بذلك ، ومن غير قصد ، حاول أن يحفظ مجموعة من « البديعيات » كادت أن تكون مفقودة لولا وجودها في هذه الشروح ، بل لعلّ ابن حجّة هو من أوائل العاملين على هذا عندما جمع في شرحه بديعيات ثلاث .
هامش
( 1 ) انظر تخريج هذين البيتين في باب « الإبهام » ، وباب « التوجيه » من الخزانة .
( 2 ) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب ، باب « الإبهام » ، وباب « التوجيه » .