فهذّبت الشاعرية قلمه ، وقعّد القلم شعره ، فهو لم يكتف بنظم البديعية معارضا بها من سبقه ( الحلّيّ والموصليّ ) ، بل جعل همّه في شرحها ، والتنبيه على مستغلقاتها ، والإشارة إلى مواطن الاستشهاد فيها ، بشرح يطول ويتّسع تارة كما في خزانته هذه ، أو يختصر ويضيق تارة ، كما في كتابه « ثبوت الحجّة على الموصليّ والحلّيّ لابن حجّة » ، وفي كلا الحالتين كان شرحه مسرحا وضيئا بفنون الأدب الشعريّ والنثريّ ، والقصص والأمثال ، ولمحات النحو والصرف والعروض والتاريخ والتراجم . . .
إضافة إلى الشواهد من الشعر والنثر ، وآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وغيرها ، حتى غدت شروحه مطيّة ليكشف بها عن مكنون صدره ، وليعرض من خلالها مدّخر علمه وأدبه ممّا جمعه وحواه ؛ ومن هنا فدراسة أثر بديعية ابن حجّة وشرحها في الأدب تنطلق باتجاهين اثنين : أوّلهما : من حيث كثرة التآليف التي قامت حولها أو عارضتها أو انبثقت منها ؛ وثانيهما : من حيث الفوائد العلمية في هذه التآليف .
1 - المؤلّفات المنبثقة عن بديعيّته :
سبقت الإشارة إلى أنّ ابن حجّة نظم بديعيته لدوافع كثيرة منها معارضة الحلّيّ والموصليّ ، نزولا عند رغبة صديقه محمد بن البارزيّ ، وقد ارتبطت فكرة النظم عنده بفكرة التأليف ، فعمد إلى بديعيته يشرحها ، فكان له فيها شرحان : شرح مطوّل وهو المسمّى ب « خزانة الأدب وغاية الأرب » ، وشرح مختصر سمّاه « ثبوت الحجّة على الموصليّ والحلّيّ لابن حجّة » . ولم يقتصر التأليف على شرحيه هذين بل انطلقت من بديعيته شروح أخرى لغيره ومعارضات كثيرة ، ومؤلّفات لم تكن شروحا لها ، بل كانت في النقد والبحث في السرقات ، والاحتجاج لهذا أو لذاك .
ولم يكن صنيع ابن حجّة في شرحه لبديعيته إلّا اقتداء برائده الأوّل صفيّ الدين الحلّيّ الذي نظم بديعيته ثمّ شرحها وعقّب على أبياتها دالّا على النوع ومواطن الاستشهاد . ولو نظرت في شرح بديعيّته لوجدت فيها الكثير من بضاعته وعلمه وأدبه الشعريّ والنثريّ ، وتفاخره فيما كان يحمل من إحاطة بفنون الشعر والأدب ، والإدلال بمقدرته على الخوض في عباب هذا التيّار الزاخر الذي يتطلّب الكثير ، فالبديع وأنواعه في قصيدته ، بل البديعية ذاتها ، لم تكن سوى مطيّة يتوسّل بها أغراضا أخرى ، ولهذا تجاوز شرحه الحجم المعروف عند الشروح السابقة له عند الصفيّ والموصليّ . ويكفي