بديعيّ يمدّه بمخزون كبير من الاطلاع على كتب البلاغة وفنون البديع ، بالإضافة إلى الممارسة الطويلة للقراءة والكتابة والدربة على النظم وتدبيج البديع واقتناصه نظما ونثرا . كما تتّضح من هذا النصّ الغاية الأولى التي نظم بديعيّته في سبيلها ، ألا وهي معارضة الحلّيّ والموصليّ بشكل خاصّ ، وذلك من خلال المقارنة التي اتخذها مقدّمة للوصول إلى نتيجة التدليل بحسن صنيعه وتفوّقه على عميدي فنّ البديعيات في ذلك العصر .
ويقودنا هذا النصّ إلى استنتاج بعض ميّزات ابن حجّة في مواقفه ممّن سبقه من الكتّاب والأدباء والشعراء بصورة عامّة ؛ وممّن سبقه إلى نظم البديعيات وشرحها بصورة خاصة . فكثيرا ما نجده يعترض على أمر ما عند بعض الشعراء ، أو يبيّن سرقة شاعر أو أفضلية آخر ، أو يتتبّع المعاني التي أخذها شاعر من آخر ، كتتبّعه للمعاني التي أخذها صلاح الدين الصفديّ من جمال الدين بن نباتة ، أو التي أخذها هذا من الوداعيّ ، وينقد عليهم أشعارهم مبيّنا وجوه الخطأ فيها ووجوه الصواب ، أو ينبّه على ما أغفلوه ، ولا سيّما أثناء المقارنة بين أبيات أصحاب البديعيات ، فيقول ، مثلا : « والعميان لم ينظموا هذا النوع . . . » ؛ أو يعتذر عن بعضهم ، مبيّنا أعذارهم ، ولا سيّما في دفاعه عن الموصليّ في بعض العقادة التي جاء بها التزامه بتسمية النوع البديعيّ ، أو في عدم نظم العميان لنوع تافه من الأنواع البديعية ، فيتمنّى لو كان معهم ، لولا إلزامية المعارضة . ومن ناحية أخرى تجده يؤيّد آراء البعض أو يدافع عنهم ، أو يستحسن اعتراض غيره على فلان ، أو يورد آراء فلان في الردّ على آخر ، أو يعقّب على أقوال فلان ، ومع هذا تراه يحمل على بعضهم حملة عنيفة ، ثمّ يدّعي أنّ الأفضلية هي في بديعيّته وشرحها ، كلّ ذلك مقرونا بالشواهد والبراهين وشهادات أصحابه له من المعاصرين والمحبّين والمقرّبين ، وأكثر ما تتركّز آراؤه في أفضلية « بديعيّته » على غيرها أثناء المقارنة بين بيته وأبيات البديعيّات الثلاث ، في آخر كلّ باب بديعيّ من أبواب الخزانة البالغة مائة واثنين وأربعين بابا ، وقد سبقت الإشارة إلى رأيه وموقفه من البديعيات الثلاث وما قصّرت فيه ، وأسباب ذاك التقصير ، إذ دفعه ذلك كلّه إلى نظم بديعيّة يعارض بها تلك البديعيات ، ويشرحها فتتوضّح غاية الأرب منها .
ولهذا كلّه ، لم تعد « خزانة الأدب وغاية الأرب » كتابا مقصورا على البلاغة وتعريفات أنواعها وتسميتها ، بل كانت معرضا لكلّ ما تزخر به ثقافة ابن حجّة الأدبية
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 261
مساهمون: كوكب دياب
ص٢٦١