المعارضة . . . » « 1 » . فمن خلال هذا المقطع يتّضح لنا أنّ ابن حجّة الحمويّ كان إذا أراد نظم النوع البديعيّ وشرحه رجع في شرحه إلى الكثير من كتب البلاغة ، وقارن بين تعريفات البلاغيين له ، ورجع إلى ما ذكره أصحاب البديعيات ، ثم يستخلص لنفسه رأيا في تعريف هذا النوع ، مشيرا إلى مخترعه أو السابق إلى اكتشافه أو معرفته ، وهو في كلّ ذلك يتمتّع بشخصيّة الناقد البلاغيّ ، إذ يذكر الأنواع ويعرّفها ويعرّج عليها بالنقد ، فيقبل منها ما أعجبه ، ويعرض عن غيره ، معلّلا الأسباب ، فكثيرا ما كان يأخذ من هذا الكتاب لسبب ، ويترك رأي مؤلف ذلك الكتاب لسبب ، ويصوّب رأي فلان ، ويسفّه رأي آخر ، ويستحسن رأي زيد ، ويمجّ رأي عمرو . . . وهذا كلّه لا يتأتّى للمرء إلّا بعد سعة اطلاع وتعمّق في كتب البلاغة ونقدها .
ولتتضح صورة النقد البديعيّ أكثر في كتابه يستحسن إيراد ما قاله عن « الاشتقاق » ومناقشته له ، فتتضح بذلك معالم سعة اطلاعه وقيمة منهجه النقديّ ، إذ يقول : « هذا النوع ، أي الاشتقاق ، استخرجه الإمام أبو هلال العسكري ، وذكره في آخر أنواع البديع من كتابه المعروف ب « الصناعتين » ، وعرّفه بأن قال : « هو أن يشتقّ المتكلّم من الاسم العلم معنى ، في غرض يقصده ، من مدح أو هجاء أو غيره ، كقول ابن دريد في نفطويه ( من السريع ) :
لو أوحي النحو إلى نفطويه * ما كان هذا العلم يعزى إليه
أحرقه اللّه بنصف اسمه * وصيّر الباقي صياحا عليه « 2 »
وهذا النوع ، ما ذكره القاضي جلال الدين القزوينيّ في « التلخيص » ولا في « الإيضاح » ، ولا ذكره الشهاب محمود في « حسن التوسّل » ، ولا نظمته العميان ولا غيرهم من أصحاب البديعيات ، غير الشيخ صفي الدين الحليّ ، وبيت بديعيته ، التي ذكر أنه جمعها من سبعين كتابا ، قوله :
لم يلق مرحب منه مرحبا ورأى * ضدّ اسمه عند هدّ الحصن والأطم « 3 »
الشيخ صفيّ الدين اشتقّ من اسم « مرحب » « الترحاب » ، حتى يقابله بضدّه ، وهذا هو الغرض الذي أراده الناظم .
هامش
( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب ، باب « الاشتقاق » .
( 2 ) البيتان مخرّجان في باب « الاشتقاق » .
( 3 ) البيت مخرّج في باب « الاشتقاق » .