ونثره ، وقد استعرض في مطلع حديثه الشواهد الجيدة على « براعة الاستهلال » ، إلّا أنّه لم يقف عند ذلك ، بل أتى على ذكر براعات استهلال للّذين كبت بهم خيول الفكر وتعثّروا فجاءوا بالسيّئ من المطالع فكانوا موضع استهجان أهل الذوق والأدب ، وذكر قصص هؤلاء المقصّرين في « براعة الاستهلال » ، وما جرّته عليهم سقطاتهم من متاعب وإعنات ، وهدف من وراء ذلك إلى تحذير الكتّاب والمنشئين من الوقوع في مثل هذه السقطات التي ألحقت بأصحابها من كبار الأدباء ما لا تحمد عقباه ، ومن أمثال ذلك ما قاله المتنبّي في مطلع قصيدة ( من الطويل ) :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكن أمانيا « 1 »
وما قاله البحتريّ في مطلع قصيدة له ( من الكامل ) :
يا دار غيّرك البلى ومحاك * يا ليت شعري ما الذي أبلاك « 2 »
وبعد هذا ، فكتاب « خزانة الأدب وغاية الأرب » يعتبر كتاب بلاغة لتضمّنه البديعية وشرحها ، وما اقتضاه هذا الشرح من تعريفات وحدود ، رجع ابن حجة فيها ليس إلى سبعين كتابا كما فعل الصفيّ ، بل إلى ما يزيد على مائة كتاب كان يذكرها في أثناء حديثه ، فيسمّيها ويسمّي مؤلّفها حينا ، ويكتفي باسمها أو باسم مؤلّفها حينا آخر ، فكان ينقل منها بعض التعريفات والحدود البلاغيّة ، أو بعض المناقشات التي كانت تدور بين البلاغيّين حول نقطة معقّدة ، وكثيرا ما كان يذكر تاريخ ميلاد النوع البديعيّ ، وعلى يد من ولد ، ففي حديثه عن الترتيب مثلا ، قال : « هذا النوع . . . من استخراجات التيفاشيّ ، ذكره في كتابه وسمّاه بهذا الاسم » « 3 » . وفي حديثه عن الاشتقاق ، قال : « هذا النوع ، أعني الاشتقاق ، استخرجه الإمام أبو هلال العسكريّ ، وذكره في آخر أنواع البديع من كتابه المعروف ب « الصناعتين » . . . وهذا النوع ما ذكره القاضي جلال الدين القزوينيّ في « التلخيص » ولا في « الإيضاح » ، ولا ذكره الشهاب محمود في « حسن التوسّل » ، ولا نظمته العميان ولا غيرهم من أصحاب البديعيات ، غير الشيخ صفيّ الدين الحلّيّ . . . ، و . . . الشيخ عزّ الدين في
هامش
( 1 ) خرّج هذا البيت في باب « براعة الاستهلال » .
( 2 ) خرّج هذا البيت في باب « براعة الاستهلال » .
( 3 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 4 / 60 .