تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
وألمّ به ، إلّا أنّه وقف وقفة طويلة عند شعر المتأخرين من معاصريه ، وحشد لهم نماذج كثيرة من الشعر والنثر ، كما أكثر من حشد نماذج شعرية ونثرية من تأليفه ، وتجاوز ذلك ليستشهد بالزجل والدوبيت والموشّح والمواليا ، ولئلّا يلومه لائم على هذا الاستشهاد بشعر المتأخّرين ونثرهم ، قدّم بين يدي كتابه مقدّمة ذكر فيها آراء بعض العلماء القدامى التي مؤدّاها أن لا مانع من الاستشهاد بشعر المتأخّرين . ويلاحظ على استشهاد ابن حجّة ببعض أدب معاصريه أنه كان يميل إلى التزلّف والتملّق لبعض الشخصيات البارزة في زمانه ، إذ يرفعها إلى مصاف الأدباء الذين يصحّ الاستشهاد بكلامهم كاستشهاده ببعض المواليا التي نظمها زين الدين بن العجميّ . وقد أكثر من الشواهد في خزانته ما أدّى إلى أن تبدو على هذا الشكل من الضخامة ، فهو ، مثلا ، يستشهد بالبيت أو البيتين أو الثلاثة على ظاهرة أو نوع بديعيّ ، إلّا أنه لا يكتفي بذلك ، بل يقول : وأعجبني من هذه القصيدة قوله كذا . . . ويورد عدّة أبيات ، وتذكره القصيدة بقصيدة أخرى فيذكرها ، أو يذكر منها عدة أبيات ، فلهذا كثرت الشواهد ، وربّما كان تضخّم شواهد البلاغة في هذا العصر عائدا إلى كون المشتغلين بالبلاغة فتحوا باب الاستشهاد على مصراعيه ولم يجعلوا له حدودا معيّنة ، كما فعل المشتغلون في علم اللغة والنحو ، فأباحوا لأنفسهم أن يستشهدوا بكلام المتأخّرين والمتقدّمين على حدّ سواء ، ومن يتتبّع أعمال المشتغلين بالبلاغة ، يلاحظ ازدياد الشواهد على النوع الواحد بتطوّر الزمن ، فكلّ عالم من علماء اللّغة يقتنص الشواهد ، فيأتي غيره فيغير عليها ، ولا يكتفي بها بل يزيد من شواهد معاصريه ، وما إن وصلت الأنواع البديعية إلى القرن التاسع حتى كانت الشواهد من الكثرة بمكان بعيد ؛ والذي زاد في كثرة الشواهد في خزانة ابن حجّة أنّ الشعراء المتأخرين في عصره وقبله بقرون كان إسرافهم في البديع إسرافا كبيرا ، وهذا ما جعل شعرهم مرتعا خصيبا للشواهد البديعية ، فكان النقّاد والبلاغيون أنّى ساروا وجدوا شعرا يمكنهم الاستشهاد به . وما زاد في تضخّم كتاب ابن حجّة بالإضافة إلى ذلك حبّ الإكثار والتدليل على سعة ثقافته ، فقد أورد مثلا في باب « إرسال المثل » كل ما اقتنصه متتبّعو شعر المتنبّي من حكمته فبلغت أربعمائة بيت ومائة شطر ، ولم يكتف بهذا ، بل أورد كتابا كاملا له في الاستشهاد على هذا النوع البديعيّ « إرسال المثل » ، وهو كتابه المسمّى ب « تغريد
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 255 | كوكب دياب / علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )