ويبدو أنّ ابن حجّة هو أوّل من أرسى حدود هذا المصطلح ، فانتشر ، وعرفه الناس والشعراء والعلماء ، وشرعوا يستخدمونه ويطلقونه على كلّ قصيدة تنتظم في سلك هذا الفنّ .
أقول هذا ، لأنّ بديعيّا آخر قبله ، وهو عزّ الدين الموصليّ ، نظم بديعيّة عارض بها بديعيّة صفي الدين الحلّيّ ، فنهج بها نهجه ، وزاد عليه بالتورية باسم النوع ضمن البيت ، ونظم أخرى خرج بها عن نهجه ، فجعلها لاميّة على وزن « بانت سعاد » « 1 » ؛ وبذلك كان عزّ الدين الموصليّ ، أوّل من أضاف جديدا إلى فنّ البديعيّات بالتورية باسم النوع ضمن البيت ، وأوّل من خالف قوانينها فنظمها على غير رويّ ، وأوّل من سنّ نظم أكثر من بديعيّة من قبل شاعر واحد . ولعلّ خروج عز الدين على بعض ما سنّة الصفيّ في بديعيته ، يدلّ دلالة واضحة على أنّ هذا المصطلح « البديعيّة » لم ير النور كمصطلح بلاغيّ حتّى جاء ابن حجّة الحمويّ وسنّه لمن بعده من شعراء البديعيات ، وقد أحيا بذلك تسمية الحليّ لبديعيّته ، بل لقد سقى تلك البذرة الحلّيّة لتصبح مصطلحا سويّا له معالمه ومميزاته ، وإن لم يتجرّأ من يخوض في موضوعه أن يجعل له تعريفا واضحا مميّزا أو حدّا فاصلا ملتزما ، على الرغم من انتشاره وسيرورته ومعرفته .
إذا لقد بقي هذا المصطلح « البديعيّة » متجاذبا بين كلّ من أراد أن يلقي نظرة على هذا الفنّ أو يدلي برأي فيه ، حسب ما يراه كلّ من وجهة نظره أو جهة تخمينه ، حتى لو أردت البحث عن مفهوم هذا المصطلح وملامحه عند العلماء والباحثين على مرور الزمن لوجدت في ذلك بعضا من الاختلاط والغموض ، على الرغم من الاتّفاق حول المعالم الأساسيّة له .
فصفيّ الدين الحليّ رسم معالم « البديعيّة » من خلال كلامه عن مضمون قصيدته بقوله : « فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع وتتطرّز بمدح مجده الرفيع ؛ فنظمت مائة وخمسة وأربعين بيتا في بحر « البسيط » تشتمل على مائة وواحد وخمسين نوعا من محاسنه . . . وجعلت كلّ بيت مثالا شاهدا لذلك النوع » « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر الدرر الكامنة 3 / 112 .
( 2 ) شرح الكافية البديعية ص 54 - 55 .