تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
قال : « فجمعت ما وجدت في كتب العلماء وأضفت إليه أنواعا استخرجتها من أشعار القدماء ، وعزمت أن أؤلّف كتابا يحيط بجلّها ، إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلّها ، فعرضت لي علّة . . . واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يتقاضاني المدح ، ويعدني البرء من السقام فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع . . . » « 1 » . فما عدوله عن تأليف كتاب في البديع إلّا لوجود هدف أوّل هو المديح الذي جعله يعدل عن الهدف الثاني ( التأليف البديعي ) ، بل جعله يجمع بين الهدفين في وسيلة واحدة هي هذه القصيدة المنظومة ، حتى صار التأليف البديعي ضمن قصيدة مدحيّة سنّة سنّها الصفيّ لمن أراد بعده أن ينظم فنون البديع في قصيدة شعريّة ؛ وهذا ما يفسّر تسمية قصيدته ب « البديعية . . . » وإطلاق هذه التسمية على ما يليها من « البديعيات » مع ما تضمّنته من المقوّمات والشروط والصفات التي جاء بها لتكون قواعد لنظم البديعيّة . وهذا ما يدلّ أيضا على أن قصيدة الزواويّ لم تسمّ « بديعيّة » وإن كانت مؤلّفة في علم البديع ، ذلك لأنها لم تكن في مدح الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) ولم توافق بمواصفاتها مواصفات « البديعية » التي سنّها فيما بعد الصفيّ ؛ وهذا نفسه يدلّ على أنّ قصيدة الإربليّ لم تكن بديعيّة لأنّها كانت في مدح بعض معاصريه ، وفق مواصفات أخرى ؛ وقيل : في موضوع غزليّ « 2 » . وهذا لا يعني أنّ كلّ قصيدة في مدح الرسول ، ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، هي « بديعية » ، فقصيدة البوصيري وقصيدة كعب بن زهير قبله وغيرهما ، لم يطلق عليهما اسم « بديعية » لعدم تعرضهما لأنواع البديع وفنونه . وإذا كان الحلّيّ قد نهج نهج البوصيري في المديح ، فإن شعراء البديعيات قد نهجوا نهج الصفيّ في المديح والتأليف البديعيّ المنظوم ، حتى غدت بديعيّته محطّ أنظار جميع من أحبّ هذا الفنّ ونظموه ، فراحوا يضعونها نصب أعينهم لمعارضتها والتأليف على نسقها ؛ وبهذا تحوّلت البديعية من قصيدة مدحية تتضمن علوم البديع إلى فنّ يجمع بين المدح وعلم البديع كشرط أساسيّ من شروطها ، وهذا ما دفع
هامش
( 1 ) شرح الكافية البديعية ص 54 . ( 2 ) انظر فوات الوفيات 2 / 118 ؛ ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها ص 224 .